هيمنة المليشيات على الحدود العراقية-السعودية: تغيير ديمغرافي بذريعة الإرهاب

14 يوليو 2016
الصورة
التهجير معاناة يومية للعراقيين (معاذ الدليمي/فرانس برس)
يعاني سكان القرى والمناطق العراقية الواقعة قرب الحدود مع السعودية من تضييق مستمر تفرضه مليشيات مسلحة عليهم، وبدأت ترتفع وتيرته في الأشهر الستة الماضية. ويشمل هذا التضييق سكان مناطق محافظة الأنبار كالنخيب وما حولها من بلدات وقرى مثل جديدة عرعر وآبار الحجاج والواحة والموارد والملجة وغيرها من مناطق عشيرتي شمر وعنزة التي تنتشر على طول الشريط الحدودي بين البلدين، وهي تشكل بالنسبة لها موطناً تاريخياً منذ عصور ما قبل الإسلام. يتعرض هؤلاء السكان لضغوط تتمثل بعمليات خطف واغتيال وقتل لرموز عشائرية، إضافةً إلى جرائم سرقة المواشي والإبل وعمليات التفتيش الليلية التي تقوم بها المليشيات، بين حين وآخر، من دون مراعاة حرمة المنازل أو الخيام بالنسبة للبدو في تلك المنطقة. هذه الممارسات دفعت أخيراً قسماً كبيراً من هؤلاء إلى الهجرة من مناطقهم والاتجاه نحو مناطق داخل الأنبار، بعضها حدودية مع الأردن مثل الرطبة والكيلو 160 والخسفة، وأخرى مناطق متفرقة وغير معروفة داخل العراق وخارجه.

هذه الهجرة القسرية هي الأولى في تاريخ أبناء تلك المناطق، وتجري بصمت وسط انشغال العالم بأحداث معارك الفلوجة وتطورات الموصل وجرائم كل من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) ومليشيات "الحشد الشعبي"، فضلاً عن بعد المناطق عن أعين الصحافيين وسيطرة ثلاث من أكثر المليشيات قرباً من إيران على تلك المناطق الحدودية، وهي مليشيات "بدر" و"حزب الله" و"الخراساني" والتي تتشارك مع قوات الشرطة الاتحادية العراقية في المقرات والثكنات وحتى الملابس والسيارات.

وتشير معلومات خاصة حصلت عليها "العربي الجديد" إلى أن "أكثر من ألفي عائلة من عشائر شمر وعنزة وزبيد والجبور والبو حمدان والدليم غادروا مناطق سكنهم على الشريط الحدودي العراقي السعودي وباعوا إبلهم ومواشيهم وتركوا خيامهم فارغة بسبب هجمات المليشيات التي بدت مدروسة بعناية لتغيير طبيعة المنطقة". ويكشف ضابط في وزارة الداخلية العراقية، طلب عدم ذكر اسمه، أن "المليشيات التابعة للحشد تقف وراء عمليات تهجير قسري للعشائر القاطنة على الشريط الحدودي العراقي السعودي"، مؤكداً أن مئات الأسر غادرت المنطقة تلك خوفاً على أرواحها وقبل كل شيء أعراضها، لأن المليشيات تعمل على تغيير تلك المنطقة الحدودية ديموغرافياً وهو تمهيد لضم مدينة النخيب إلى كربلاء، كما يطالب بذلك أعضاء مجلس محافظة كربلاء، أو لدوافع مستقبلية تتعلق بالسعودية وليس بالعراق". ويضيف الضابط أنه قبل شهرين "ضغطت المليشيات على القضاء لاستصدار مذكرات اعتقال بحق شخصيات عشائرية مهمّة تحت ذريعة "الإرهاب"، من بينها مذكرة بحق أحد الشخصيات، وورد فيها حديث عن تأثر الشخص المعني بـ "الفكر الوهابي" بسبب قربه من السعودية ومن ثم وردت عبارة تعاطفه مع تنظيم "داعش" وكانت صادرة من محكمة في كربلاء. ويؤكد المصدر نفسه أن "غرفة عمليات خاصة بالمليشيات يرأسها رئيس مجلس محافظة كربلاء، نصيف جاسم الخطابي، تعمل على تعرية المنطقة تلك من تاريخها".


ويقول أحد وجهاء قبيلة شمر العراقية والقاطنة على الحدود، الشيخ محمد مفلح الشمري، إن "عملية استهدافنا بدأت منذ الليلة التي اغتيل فيها شيخ قبيلة عنزة، لورنس متعب الهذال، العام الماضي وما زلنا حتى الآن نتعرض لعملية ترهيب وطرد وإبعاد". ويضيف "داعش يعمل لصالح إيران سواء تدري أو لا تدري، فكلما تنفجر مفخخة ولو على بعد 100 كيلومتر من مناطقنا، تأتي المليشيات فرحة جذلة لقتل واعتقال من تجده أمامها ثم نضطر للفرار للنجاة بما بقي لدينا"، مؤكداً أن مناطق كاملة هُجّرت واحتلتها المليشيات، وجميعها تقع على الحدود مع السعودية". ويختم قائلاً: "نحن في بطن الصحراء، بيننا وبين بغداد مسافة يومين بالسيارة، ولا نشكل ولم نشكل خطراً سياسياً أو دينياً على أحد، وما نتعرض له مدروس".

ومناطق النخيب وجوارها تتميز بأنها عبارة عن واحات عيون أو آبار محفورة بالصحراء، تتواجد حولها بيوت السكان من بدو أو عشائر عربية فرّقتها عملية ترسيم الحدود باتفاقية "سايكس بيكو" (1916). وتعتبر المناطق الحدودية العراقية السعودية البالغة 814 كيلومتراً من المناطق الأكثر هدوءاً مقارنة بالوضع على الحدود الإيرانية أو السورية وحتى الأردنية والتركية. فقد شهدت استقراراً واسعاً في الآونة الأخيرة على الرغم من هجمات "داعش"، ويعود الفضل بذلك إلى جملة عوامل طبيعية منها الصحراء القاحلة التي تشكل حاجزاً أمنياً، فضلاً عن الإجراءات السعودية على حدودها في الجهة المقابلة.

ويمكن للرعاة وسكان بادية الأنبار مشاهدة الأعلام السعودية الخضراء في الجانب الثاني من الحدود وأبراج مراقبة وكاميرات مثبتة على تلك الأبراج، في حين تستمر الإنارة في بعض المناطق بدون توقف وهي المناطق التي تعتبر حساسة وشهدت محاولات تسلل سابقة للحدود. وتم رفع لوحات ملونة كبيرة عند التقاء أراضي البلدين، كُتب عليها "تحذير ممنوع الاقتراب قوة مخولة بالقتل". ويرتفع السياج الأمني الذي يشكل حاجز الصد الرئيس لمحاولات اختراق الحدود لعدة أمتار، يتنوع بين سياج اسمنتي وآخر عبارة عن أسلاك شائكة مكهربة.

وتتخذ مليشيات حزب الله، في الوقت الحالي، من منزل أحد شيوخ عشيرة عنزة مقراً لها بعد مقتله في ظروف غامضة العام الماضي، يرجح أن للمليشيات يداً بها، على الرغم من تدوين القضية ضمن خانة الإرهاب ونسبها إلى "داعش" على غرار أغلب الجرائم التي ترتكب في تلك المنطقة. ولا يوجد أي تهديد أمني من تنظيم "داعش" على تلك المنطقة، غير أن المليشيات تكثف تواجدها على الشريط الحدودي مع السعودية وتصادر آليات ومعدات قوات حرس الحدود، بعدما قامت بتهميشها تماماً. في هذا الصدد، يقول أحد سكان المنطقة، فاضل العنزي، الذي غادرها في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، إن "الهدف ليس الصحراء المقفرة ولا الآبار التي تدر يومياً بالماء ولا محاربة الإرهاب كما يدعون، لكن الموضوع هو تغيير المنطقة وسكانها وجلب آخرين يسكنونها أو تحويلها بالكامل لقاعدة مليشيات تزعج أو تسبب قلقاً للسعودية، وهذه خطة إيرانية". ويضيف "يجب ألا يستغرب أحد ما يحصل، فالعراق محتل من إيران وكل شيء بات تحت يدها".

في المقابل، يقول القيادي في "التحالف الوطني العراقي"، محمد الموسوي، لـ"العربي الجديد" إن تلك الاتهامات واهية وطائفية والمنطقة منبع مهم من منابع الإرهاب ويجب إبقاؤها تحت السيطرة، ويؤكد أن لا استهداف طائفياً لسكانها على الإطلاق ولا علاقة للسعودية بالأمر، مضيفاً أن "الحشد الشعبي" قوة تعمل على إحلال السلام ومطاردة داعش أينما وجد بالعراق".

إلا أن الخبير بالشأن العراقي، كمال العاني، يقول إن "ظاهرة تهجير أهالي تلك المناطق بشكل غير مباشر أسلوب تكرر في بغداد سابقاً واليوم يحدث في سامراء". ويضيف: "الموضوع بحاجة إلى كشف أساليب تعرية المناطق من سكانها وإحلال آخرين محلهم أو إبقائها تحت رحمة المليشيات لكن المشكلة أن الصحافيين ممنوعون من دخولها كما أن الأضواء مسلطة على مدن أخرى في العراق كالفلوجة والموصل".