هيلاريون كبوجي ولاهوت التحرير العربي: باسم المسيح قاوم الاحتلال

04 يناير 2017
الصورة
ظهرت نوازع كبوجي القومية في القدس (ستيفانو مونتيسي/Getty)
+ الخط -
لم يكن المطران هيلاريون كبوجي أول مطران عربي كاثوليكي يُزج في السجن الإسرائيلي، ثم يطرد من بلاده، فقد سبقه، إلى ما يشبه هذا المصير، المطران غريغوريوس حجار (مطران العرب) الذي مات قتلاً على الأرجح في 30 نوفمبر/تشرين الأول 1940 بعدما ذاع صيته الوطني في ثورة 1936 الفلسطينية الكبرى. وفي سنة 1962 اعتقلت السلطات الإسرائيلية الكاهن المصري يواكيم الأنطوني بتهمة التعاون مع الأردن، ثم أبعدته. وفي 1963 اعتقلت الاستخبارات الإسرائيلية القس إيليا خوري، بتهمة التعاون مع جماعات فلسطينية معادية لإسرائيل، وطردته من كنيسته ودياره.

لكن المطران هيلاريون كبوجي كان أخطرهم حقاً، وأشدهم صلابة وأبعدهم أثراً، وأكثرهم عنفواناً وتحدياً لإسرائيل، ولم يتردد في الاعتراف بنقل أسلحة إلى الفدائيين الفلسطينيين، قائلاً إن "القتال في فلسطين دفاعاً عن فلسطين له ما يفرضه: عدو غاشم مراوغ سلبنا ديارنا، وهو يجثم على صدرنا. ولما كان الصلف شعاره، والتفتت رائده، والقوة منهجه، فليس إلا الجهاد سبيلاً إلى التحرير" (جريدة "النهار"، بيروت، 15 مارس/آذار 1976). وفي تاريخ المشرق العربي كثير من رجال الدين المقاتلين، لكن تاريخ هؤلاء اختلط بتواريخ الصراعات المحلية والطائفية، وقليلون هم الذين اشتهروا بمقارعة الاستعمار والاحتلال الأجنبي والتعسف والاستبداد. ولعل تلك الندرة هي التي منحت المطران هيلاريون كبوجي تاريخاً حافلاً بالكرامة الوطنية، وأضفت عليه رمزية فريدة.

السيرة الناصعة

اسمه الأصلي جورج. وكلمة كبوجي، وهي كنيته، تعني "البواب" بالسريانية، أي أن في الإمكان القول إن اسمه هو جورج البواب. وقد اختار اسم هيلاريون تيمناً براهب ولد في غزة، في سنة 291 ميلادية، ونقل طريقة العزلة في الصحاري من المصريين إلى البلاد السورية. ومن بين الذين ساروا على نهج هيلاريون (الفلسطيني وليس الكبوجي) ومسلكه، القديس سمعان العمودي في شمال حلب. وكان والد المطران كبوجي، بشير، يعمل تاجراً للسيارات في حلب، أما والدته فتدعى شفيقة رباط، وهي قريبة الدستوري الكبير ونائب حلب عن حزب الكتلة الوطنية، إدمون ربّاط.

درس كبوجي في مدارس حلب حتى المرحلة الثانوية، ثم انتقل في سنة 1933 إلى دير الشير في لبنان، وتابع دروسه فيه حتى سنة 1944 عندما غادر إلى دير القديسة آن في القدس لإكمال دروسه اللاهوتية. وقد سيم كاهناً في سنة 1947، وعين مديراً لمدرسة النهضة الوطنية القريبة من بلدة سوق الغرب في جبل لبنان، ثم عين مساعداً للبطريرك مكسيموس صايغ ومسؤولاً عن أبرشيات دمشق وجوارها. وفي سنة 1962 أصبح رئيساً عاماً للرهبانية الباسيلية الشويرية. ثم في سنة 1963 اختير رئيساً عاماً للرهبانية الحلبية، ورقي في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1965 إلى رتبة المطرانية، وعين نائباً بطريركياً في القدس لطائفة الروم الكاثوليك. وفي القدس ظهرت نوازعه القومية بوضوح وجلاء، فكان الوحيد من بين رجال الدين الذي رفض حضور الاحتفالات والاستقبالات الرسمية التي تنظمها السلطات الإسرائيلية. وفي يوم وفاة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر/أيلول 1970 توجه إلى جميع الأساقفة في القدس طالباً منهم رفع الأعلام السود فوق مقارهم، وقرع الأجراس في أثناء جنازته.

تحت عيون الموساد

في 8 أغسطس/آب 1974، وبينما كان عائداً بسيارته المرسيدس إلى بطريركية القدس للروم الكاثوليك، ومعه الأب بطرس جرجيري من بلدة الخنشارة في لبنان، أوقفته الشرطة الإسرائيلية وأخضعته للتفتيش، وعثرت في سيارته على أربعة رشاشات كلاشينكوف ومسدسين وعشر قنابل وعدد من مخازن الذخيرة وآلاف الطلقات وقوالب مواد ناسفة وأجهزة توقيت ومشعلات كهربائية (جريدة "دافار"، 19 أغسطس 1974 بحسب مجلة "شؤون فلسطينية"، العدد 38، بيروت: أكتوبر/تشرين الأول 1974). ومع ذلك سمحت الشرطة له بالعودة إلى منزله من دون أن يغادره. ثم تذرعت السلطات الإسرائيلية بأن المطران كبوجي، الذي يحمل جواز سفر دولة الفاتيكان لا يتمتع بالحصانة الدبلوماسية، لأن الفاتيكان لا يعترف بدولة إسرائيل، فأعادت اعتقاله في 18 أغسطس 1974 بناء على أوامر رئيس الحكومة إسحق رابين. وفي 13 سبتمبر 1974 قدم المدعي العام الإسرائيلي غبريئيل باخ إلى المحكمة المركزية في القدس لائحة اتهام ضده، تتضمن ما يلي: نقل أسلحة والاحتفاظ بها بصورة غير قانونية، وتقديم خدمات لمنظمة غير قانونية (فتح)، وإجراء اتصالات بعميل أجنبي (أبو جهاد – خليل الوزير). وفصّلت الاستخبارات الإسرائيلية تلك الاتهامات بالقول إن كبوجي التقى في بيروت كلاً من أبو جهاد ومصطفى عيسى (أبو فراس) من القطاع الغربي، وأنه نقل الأسلحة مراراً إلى الفدائيين، وأن الأسلحة استُخدمت لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل.

تجربة السجن: صلابة نادرة

مثل المطران هيلاريون كبوجي أمام المحكمة الإسرائيلية في القدس في 24 سبتمبر 1974، وتولى الدفاع عنه المحامي الفلسطيني عزيز شحادة. وفي السجن تعرض لاضطهاد متعدد الوجوه، ولإهانات يومية كثيرة. ومع ذلك لم تتمكن هذه الممارسات من إحناء جبهته، أو دفعه للاستكانة. وكان لا يتورع عن كشف بعض تلك الممارسات المهينة بلا خجل أو وجل. وقال مرة: "بصقوا عليّ، لكن رأسي سيظل مرفوعاً وعالياً (...). أنا عربي من القدس عانيتُ كما عانى المسيح في سبيل السلام والعدل (...). ليبعدوني، فسأقيم في خيمة مع اللاجئين على حدود فلسطين". وفي عيد الأم قال: "هناك أهم من الأم الوالدة... إنها الأرض الأم".
أُفرج عنه في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1977 جراء اتفاق مع الفاتيكان يقضي بإبعاده عن فلسطين، فرفض بنود ذلك الاتفاق، لكنه لم يتمكن من إبطاله، فانتقل إلى الفاتيكان، وعينه البابا قاصداً رسولياً للكاثوليك في أميركا اللاتينية، فامتثل للأمر البابوي، لكنه اشترط ألا تتخطى إقامته في تلك البلاد ثلاثة أشهر. ولما طالت المدة، وعيل صبره من مراجعة دوائر الفاتيكان، اتصل بالرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد وأطلعه على حاله، فقال له: "ما دمتَ مواطناً سورياً، عُد إلى وطنك على مسؤوليتي". وهذا ما كان وجرى، فعاد إلى دمشق، وشارك في أعمال المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في العاصمة السورية في 19 يناير/كانون الثاني 1979.

النهايات

صبر 20 عاماً على محنة الخروج من القدس. وفي تلك الحقبة جال في دول العالم كلها دفاعاً عن فلسطين وقضيتها. ثم استقال من منصبه كزائر رسولي للكاثوليك في أميركا اللاتينية في 17 مارس/آذار 1999، ليعيش متنقلاً بين الفاتيكان وسورية ودول العالم. وكان على متن سفينة "الأخوّة" اللبنانية في 24 فبراير/شباط 2009 التي أبحرت صوب قطاع غزة لكسر الحصار عن سكانه، فاعتقلته السلطات الإسرائيلية في عرض البحر، وأبعدته إلى سورية عبر بوابة الجولان. ولم يستكن، فاعتُقل مجدداً في 31مايو/أيار 2010 بينما كان يشارك في "أسطول الحرية" المتوجه إلى ميناء غزة لفك الحصار عن القطاع، وأُبعد إلى الأردن، فعاد إلى سورية في 2 يونيو/حزيران 2010.

أنهكته سنون الحياة وسننها، وأعاقته الشيخوخة عن التنقل هنا وهناك، فلجأ إلى السكينة في هدأة الفاتيكان إلى أن غادرنا عشية مطلع عام 2017، فسافر إلى مكان قصي لا يُزار فيه ولا يزور.