هياكل عظمية من اليرموك إلى مضايا

15 يناير 2016
الصورة
شاب هو، ولد في "دار الغرب"، رأى اليرموك يوما، مر في مضايا والزبداني، تعرف على عروبته "مختالا". يختلس مساء، وهو يلهث في تعلم المزيد من اللغة العربية الفصحى، شاشة التلفاز مقلدا القادم الجديد لبلاد الغرب.

تفزعه صور أطفال رضع يرتشفون من ملعقة العار بعض ماء وملح، وجثث وهياكل عظمية. المفزع أكثر أن التلفاز مضطر لإظهار كل ذلك عل بعض الضمير يصحو.
كيف تجادل خديجة بن قنة مبتسما يجلس في استديو دافئ وخدوده موردة بالسخرية من الحقيقة، ينفجر كل شيء حين يبكي شاب عربي غضبا على "العجز الذي أشعر به"، يضيف وهو يتمتم بأسماء.
ذات يوم، تعلم ذات الشاب أن "المقاومة" فعل أخلاقي، لكن أية مقاومة؟ ليست التي يبدأ الحديث عنها سائلا للمرة الأولى: كيف وماذا بقي من مسميات. ألا نعيش في ورطة حقيقية، نحن الذين رضعنا مع حليب أمهاتنا ما أُرضع منه أولادنا في غربتنا، حين نقف عاجزين عجزا جماعيا، ظله عار جماعي كامل، يعمقه استهزاء متكرر بالحقيقة المرة على لسان منظّرين لفهم آخر للمقاومة على قنوات يراقبها أطفال المهجر رغما عنا جميعا على هواتفهم الذكية.

في الذاكرة آلام. وآثام.. يتذكر كيف هي علاقة القطط والكلاب بأهل مخيم برج البراجنة. ومثله صديقه يتذكر ربطة خبز معلقة على مدخل مخيم اليرموك يُقنص من يقترب منها في حصار "من أجل حماية فلسطين".
في تلك الواقعة، في اليرموك، أيضا لم يصدق كثيرون أن الموت تجويعا يحصل باسم "المقاومة والممانعة"، فهؤلاء "إسرائيليو الداخل". وراحت تفصل لنا قنوات وصحف أن "لا تأكيدات أن موت هذا وذاك هو بسبب الحصار، ربما يكون الشخص مريضا".
مرت أسماء، كذلك التونسي الذي ترك بلده منذ عقود ليكون لصيقا بالجبهة الشعبية، لكي ينقذه من بيده كسرة خبز في اليرموك، وهو الرافض للخروج منه. بينما كانت مناضلة فلسطينية سابقة في عاصمة بلده تونس تتمختر وهي متشحة بعلم بشار وصورته وبملء فمها تقول: لا يوجد في اليرموك سوى أفغان وعصابات.
رغم أن حسان وأحمد وعبد الله لم يكونوا سوى أبناء ذلك المخيم. مثل أيهم الذي غادر بيانو الأمل خلفه. من أجل ماذا كل هذا؟
كان الصهيوني هيربرت بونديك، رئيس تحرير أكبر صحيفة دنماركية، إذا ما أراد في الثمانينات والتسعينات أن يقنع الجمهور بشيء يعيد أسطوانة: عرب يقتلون عربا. وهي جملة بيغين برفقة شارون يجتاح لبنان في 1982.
هذا النوع من "المقاومة" وزعامتها، وبمقابله جلعاد شاليط في أسر مقاومة أخرى، تقبل أن يكون سلاح جنودها سواطير وقناصات وألغاما لتشديد الحصار. هل تظن حقا أن أحدا في رأسه عقل سينسى؟
غير النسيان هناك ما هو أخطر، تؤسس له عملية "البحث عن طريق القدس"، فالفلسطينيون حتى يومنا ما يزالون يحفرون في الوعي الجماعي ما تعرض له الأجداد، فأي نسيان هذا الذي تراهن عليه زعامات؟
الأخطر هو انتشار "ثقافة البقلاوة" وإطلاق النار ابتهاجا، كما حصل في القصير وغيرها، الأخطر أن تنتصر "مقاومة" بالتجويع والحصار؛ لا ضد مستوطنات "إصبع الجليل"، بل مضايا والمعضمية واليرموك وتركيع الزبداني بمجاعة تسجل في ذاكرة أجيال لا يمكن أن تعيش كذبة كما كذبنا ذات يوم على أنفسنا وصدقنا الكذبة.
قمة الخطر في كل الذي جرى ويجري قد لا يفهمها ممارسو القتل بالتجويع، هذا عدا عن كل الوسائل الأخرى التي تدمر بلادا كاملة، تبدأ بعمليتين خطيرتين: الأولى كفر كامل بهذه "المقاومة" التي تخلط عن قصد مفهوم المقاومة الحقيقية، بنتيجة الخلط الذي يستخدم النصب والاحتيال باسم فلسطين في طريق تحويل البشر إلى هياكل عظمية.
والثانية، وقد قيلت منذ بداية الذبح والتدمير بوجه شعب أعزل، أن تمد دولة الاحتلال لسانها بوجه الجميع قائلة "لا تحدثونا عن أخلاقيات الحرب وما نفعله هو أقل بكثير مما فعله بشار وحسن نصر الله".
وقد لا يستوعب من يعيش حالة الإنكار منذ 5 أعوام مخاطر ما يصنعه، لأن المقاومة عنده بالأساس ليست سوى مفردة جوفاء مفرغة من قيمها. المقاومة لا تكون أقل أخلاقا وشهامة وأكثر استهتارا بقيمة حياة الأطفال. هي عندها ارتزاق وبنادق للإيجار حين تكون عكس مقاصد المقاومة الحقيقية.
قد أتفهم شابا ولد وعاش في الغرب، مؤمنا بالمقاومة وبفلسطين كقضية عدالة إنسانية، عدا عن الحق التاريخي، حين يقول "دع الله جانبا..."... فهذا الجيل ليس غبيا. يرى كل الموبقات والبهيمية التي تمارس بحق الإنسان تحمل لنفسها مهمة أن تكون حزب الله وجماعة الله. فماذا يظن الجالس في مواجهة الكاميرا ليردد بكل صفاقة: "إذا كانت هذه الصور صحيحة..." و"يجب تطبيق البند الثالث من الاتفاقية...".


اقرأ أيضا:الإفراج عن سماحة: السنيورة يدين القرار وحزب الله يرحّب