هويات "وطنية" متخيلة

06 ابريل 2018
الصورة

(Getty)

+ الخط -
يتزامن صعود السلطويات الجديدة في المنطقة العربية مع استدعاء خطابات "وطنية" زاعقة، تهدف إلى بناء هويات جديدة قائمة على الولاء للسلطة وشخوصها، لا على أساس قيم المساواة والمواطنة والعيش المشترك. وهي هوياتٌ تغذيها صراعات السياسة والرغبة في الهيمنة والبقاء في السلطة، وليست نتيجة مفاوضات وتفاهمات جماعية، تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهي أيضا هويات إقصائية، تستبعد كل من يختلف مع السلطة، باعتباره ليس فقط معارضاً لها، وإنما بوصفه "خائناً" و"متمرّداً" يجب التصدي له أو التخلص منه.
من هنا، يبدو التلازم بين انتشار هذه الهويات وصعود السلطويات الجديدة التي تروجها أمراً ضرورياً. وذلك على نحو ما أوضح الكاتب في مقال سابق. لذا، كلما ازداد التسلط والاستبداد، ارتفع خطاب هذه الهويات الجديدة، محاولاً التغطية على كوارث الاستبداد الجديد ومغبّاته. أما الغريب في الأمر فأن هذه الهويات المتخيلة أو المصطنعة قد جاءت على أنقاض هويات حقيقية، يتم طمسها ومحوها بسبب عدم تماشيها مع رغبة السلطة أو كونها منافسة لها في المجالين، الاجتماعي والسياسي. خذ مثلاً ما يحدث في المملكة العربية السعودية أو مصر، ستجد إصرار السلطة على تصدير خطاب غارق في الشوفينية الوطنية، يستبعد كل من هو خارج دائرة الولاء للسلطة، ولمن يحكم، ويقصر حق الدخول تحت عباءة هذه الهوية على كل من يتملقون هذه السلطة ويداهنونها. ووصل الأمر في مصر أن يصبح انتقاد أداء مؤسسات الدولة، كالجيش والشرطة، بمثابة "خيانة عظمى" تستوجب العقاب. ويزداد اللجوء إلى هذه الهويات المصطنعة، كلما شعرت السلطويات بالتهديد سواء الداخلي أو الخارجي. وهو ما يكشف هشاشة هذه الهويات، وعدم قدرتها على أن تكون قائمة ومقنعة بحد بذاتها. وتبدو هذه الهويات كما لو كانت بدائية، تستند إلى منطق العصبية، وليس إلى منطق الدولة الحديثة، على الرغم من ادعاءات من يروجونها بعكس ذلك.
كانت الأنظمة السلطوية، في الماضي، تقدّم نفسها باعتبارها مقر السيادة وأصلها، وحدث نوع من التماهي بين الدولة والنظام وشخص الحاكم. أما الآن، ومع صعود السلطويات الجديدة، فقد أضيف إلى هذه الأبعاد الثلاثة مسألة الهوية الوطنية، بحيث إن كل من يعارض الحاكم معارض للنظام، ومعارض للدولة. وبالتالي، لا يستحق شرف الانتماء لهذه "الهوية الوطنية" المصطنعة. وهذا هو أحد ملامح الأنظمة الفاشية بامتياز، والتي تحتكر حق تحديد هوية الأفراد وانتمائهم، وتقيسها بمدى طاعتها وقبولها الحاكم. وهناك حالات معارضين مصريين يتهمهم النظام الحالي بالخروج عن عباءة الوطنية، وبالخيانة والعمالة والتآمر، ليس لشيء سوى أنهم معارضون. وهو ما كان يحدث تحت حكم الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر الذي كان يقوم بتشويه وتخوين كل من يختلف معه ومع سلطته، إلى الدرجة التي اتهم فيها بعض زملائه في "مجلس قيادة الثورة" بتهم الخيانة والتآمر، بل وتمت محاكمة بعضهم وسجنهم فترات طويلة. وهو ما فعلته أنظمة ثورية كثيرة ظهرت في العالم العربي إبّان الخمسينات والستينات، كما كانت الحال في العراق وسورية والجزائر وغيرها.
أي أننا إزاء هويات تتم صناعتها أو اصطناعها بمنطق الغلبة والقوة، وليس من خلال التفاوض والإقناع، وهو ما يقوّض ليس فقط فرص بقاء هذه الهويات واستمرار تماسكها، وإنما أيضا يقوّض شرعية من يرّوجها ويحكم من خلالها. وأغلب الظن أنه مع انهيار هذه الأنظمة أو سقوطها تنهار هذه الهويات المصطنعة بشكل سريع.