هوس العذرية في الدنمارك

12 نوفمبر 2018
الصورة
استغلال للفتيات (Getty)

مع دخول عذرية الفتيات في المجال التجاري في الدنمارك من خلال العمليات الجراحية والمنتجات المستوردة، تدخلت الدولة والمجتمع المدني لمعاقبة المستغلين، وتوعية الفتيات والمجتمعات

يتسع الجدال القانوني والثقافي والاجتماعي في الدنمارك، وغيرها من دول شمال أوروبا، حول انتشار تجارة غشاء البكارة الاصطناعي أو التدخل الجراحي لترميم الغشاء قبل ليالي الزفاف. تقدمت الدنمارك بنداء في مارس/ آذار الماضي للأمم المتحدة لما تسميه "التدخل لوقف خرافة علاقة بقع الدم بالعذرية" بعد التسلح باستنتاجات طبية تنفيها، إلى جانب اقتراح تشريعات تمنع إجراء عمليات جراحية ترميمية في البلاد.

الجدال الذي أخذ خلال السنوات الماضية حيزاً من التغطية الإعلامية، لما يحمله من أبعاد، خصوصاً أنّه يتعامل مع ظاهرة تنافسية تدفع نحو تربح شركات إنتاج الأغشية المزيفة المحتوية على نقاط دم بقري أو مادة لزجة باللون الأحمر، يدفع هذه الأيام بمشرعين في كوبنهاغن إلى المطالبة بإنزال العقوبة بحق العيادات الطبية التي تقدم خدمة "ترميم غشاء البكارة".




في هذا السياق، أعلنت وزيرة الصحة الدنماركية، إلين تران نوربي، عن توجهها لاستصدار قانون يعاقب العيادات التي تقدم هذا النوع من التدخل الجراحي الترميمي. تعتبر نوربي، الساعية إلى حشد تأييد مشرعين لمقترح المنع، أنّه "ليس في الإمكان المساواة بين تجارة العمليات التجميلية والتدخل الجراحي لإعادة غشاء وهمي". ومنذ عام 2015 اندلع النقاش والسجال حول هذه القضية، متخذاً في بعض نواحيه جوانب دينية وثقافية وقانونية إثر الكشف عن "مئات حالات العمليات التي تجرى سنوياً". زاد الجدال في الدنمارك والدول المجاورة بشأن هذه التجارة الطبية، فقد كشفت وسائل الإعلام المحلية أنّ العملية الجراحية في عيادات ومستشفيات خاصة تكلف نحو 500 يورو، وهو أمر انتقدته كريستينا أوموند العاملة في مجال تقديمإارشادات للشابات المسلمات حول قضية العذرية، معتبرة الظاهرة "خدعة صافية بحق الشابات اللواتي يتسابقن، وبعضهن يبدي قلقاً حول إمكانية أن يكن فقدن أو تضرر الغشاء لديهن". تعتقد أوماند أنّ "اختصاصيي الأمراض النسائية يتربحون من هذه الظاهرة، وهو أمر يجب التدخل قانونياً لمنعه ومنع استغلال جهل الفتيات بالغشاء، الذي يكون مختلفاً من أنثى إلى أخرى".

تعترف العيادات والمستشفيات الخاصة أنّ "فترة الصيف، حيث تكثر حفلات الزفاف، تشهد إقبالاً من الفتيات الراغبات بتدخل جراحي للتأكد أنّهن يملكن غشاء غير متضرر" وهو ما يؤكده أحد أطباء مستشفى "هو.سي. أندرسن" الخاص في مدينة أودنسه وسط جنوب الدنمارك. يجري هذا المستشفى منذ عام 2015 ما بين 40 و60 عملية من هذا النوع سنوياً. ولا يقتصر اللجوء إلى التدخل الجراحي على المقيمات في الدنمارك، بل إنّ بعض الفتيات يأتين من النرويج والسويد.

بعض المشرعين، ومنهم مقررة لجنة الشؤون الصحية في البرلمان عن حزب "فينسترا" الذي يتزعم حكومة ائتلاف يمين الوسط، يانا هياتمان، تعتبر أنّه "من المحزن استغلال الشابات بهذا الشكل. قد أتفهم لو كان الأمر عبارة عن تدخل جراحي تجميلي، لكنّه يبدو أنه يقوم على خلفية سباق لإظهار أمر آخر يدور بين الشابات، في بيئتهن ومحيطهن الثقافي".

إلى جانب هذا التدخل الجراحي الذي تتهم فيه العيادات والمستشفيات الخاصة، مستخدمة الإعلانات، بتقديم مثل هذه الجراحات الترميمية مقابل الأموال، ازدهرت في عدد من الدول، ومن بينها الدول الإسكندنافية، عمليات الاتجار بغشاء وهمي مصنع في شركات ألمانية، مقابل 50 يورو، وهو مصنوع من السليولوز المتحلل ذاتيا بلون أحمر أو مادة من دم البقر المجمد. تذكر الشركة المصنعة أنّ "طلبات هذا الغشاء بالمئات في عدد من الدول". وتتربح شركة أخرى من بيع آلاف الأغشية، وتعرض على موقعها الرسمي تعريفاً بـ"أهمية الغشاء في كثير من الثقافات" مع تركيز على المسلمات.

السجال المتحول من اعتباره تابو في مجتمعات الشمال الأوروبي إلى نقاش علني، يركز على استغلال تسويق هذه المنتجات وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام الدنماركية، ما يرافق ذلك من أضرار نفسية. فقد ذهب "راديو24" الدنماركي للتأكيد على أنّه خلال عامي 2016 و2017 "جرى شراء نحو 500 غشاء وهمي سنوياً، وبعد الحديث مع الشركتين المسوقتين في الدنمارك تعترفان ببيعهما نحو 2670 من الأغشية المثيرة للجدل خلال السنوات الخمس الماضية لمستهلكات دنماركيات".

ذكرت الإذاعة في تقرير خاص بالقضية في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي أنّ "شراء الغشاء ينتشر لتجنب الفتيات حالة القلق والذعر التي تصيبهن قبل الزواج لضمان نزول نقط دم ليلة الزفاف كتأكيد على العذرية". وفي حديث إذاعي لمديرة مشاريع منظمة "الشباب الإثني" المعنية بالمهاجرين، سوزانه فابريسوس، فإنّ "التوقعات قوية للفتيات المسلمات، من محيطهن، لإثبات أنّهن عذارى قبل الزواج، ما ينشر حالة من القلق الشديد، وأحياناً بلا أسباب، مؤدياً إلى تنافس وضغط، وبعضهن يبدأن التفكير بالانتحار". المشكلة التي يطرحها هذا السجال لا تتعلق بما إذا كانت الفتاة فقدت عذريتها أم لا، بل "بالضغوط الهائلة التي تعيشها الشابات نتيجة ظروف يعشنها وبتوقعات محددة منهن، كأن يسيل الدم منهن، وهذا ليس أمراً محتوماً".

من جهتها، تقول رئيسة قسم الطب النسائي وكبيرة الأطباء في مستشفى "فيداوفر" بضواحي كوبنهاغن، شارلوتا ينسن إنّ "قلة من النساء ينزفن ليلة الزفاف، فلا شيء يؤكد أنّ المرأة تنزف، بل دراساتنا المتخصصة في المجال تقول إنّ 1 أو 2 من كلّ 10 نساء ينزفن دماً، ما يعني أنّنا أمام وهم بربط بقع الدم بالعذرية، إذ إنّ الطب يقول عكس ذلك".

وتذكر فابريسوس أنّ منظمتها تتلقى العديد من الرسائل التي تستفسر عن هذه القضايا. وعلى الموقع الرسمي للمنظمة تمكن قراءة العديد من الرسائل المجهولة من شابات ونساء من خلفيات مسلمة يتحدثن عن تجاربهن في هذا السياق.




يعتبر متخصصون نفسانيون واجتماعيون أنّ النقاش والحوار الصريح المبني على العلم والمعرفة "يساهم في التخفيف من الضغط" بحسب رئيسة وكالة التوظيف والاندماج الدولية، سيغريد فريدركسن.

دلالات