هوسات العراق... أهازيج من التراث تزداد انتشاراً

11 يوليو 2020
الصورة
الهوسة احتفال قبلي في الأساس (حسين فالح/ فرانس برس)

على الرغم من كونها تراثاً يخصّ القبائل، يتزايد انتشار الهوسات في العراق بشكل كبير، وبات المتخصصون بها، أو المهاويل، منتشرين في مختلف المدن، وأغلبهم من فئة الشباب

أدت سهولة التصوير عبر الهواتف الذكية المتاحة لدى الجميع إلى انتشار الهوسات، أو الأهازيج، على نطاق واسع في مناطق شعبية وقروية مختلفة من جنوب ووسط العراق أكثر من غيرها من مناطق البلاد. وهو ما زاد من رغبة السكان في متابعة ما يطلقه المهاويل، وهم مؤدّو هذا الفن، من أهازيج تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي، حتى باتت تنظم مسابقات لها في إحدى المحطات الفضائية العراقية على غرار مسابقات البرامج الغنائية الشهيرة عربياً.
وتطلق الأهازيج هذه في مختلف المناسبات، السعيدة والحزينة، ويلقيها المهوال بأساليب عدة، والأخير يجب أن يتصف بمواصفات تمكنه من شدّ الانتباه. وترافق هذه الأهازيج "الدبكة" وتسمى بالعامية "الدبچة"، وهو نوع من الرقص التعبيري الذي تؤدّى فيه حركات إيماء وتضرب الأرجل بالأرض بينما يدور المؤدّون في حلقة دائرية، مرددين الهوسة، أي الأهزوجة التي يطلقها المهوال.


مهند الجواري، أحد المهاويل الذين تعتمدهم قبيلته في المناسبات، يقول إنّ حبه للشعر الشعبي وكتابته وإلقائه ساعده ليكون من المهاويل. يضيف الجواري، وهو شاب في السادسة والعشرين، أنّ للمهوال صفات عدة "من حاز جميعها نال شهرة كبيرة". ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "من صفات المهوال حفظ الشعر وكتابته وامتلاكه صوتاً قوياً وحضوراً يشد الانتباه، هي أهم الشروط. وفي حال أضيف لها تمكنه من كتابة الشعر، وارتجاله في أيّ وقت، مع حلاوة الصوت فعندها سيحقق شهرة واسعة".
والمكسب المادي حاضر بالنسبة لأصحاب الأهازيج عموماً، إذ عادة ما يحصلون على مكافآت مادية ممن يجرى مدحهم، سواء كانوا الضيوف الوافدين إلى القبيلة أو المجلس العشائري، أو من سكان المناطق، لا سيما الميسورين منهم، ممن يهتمون بأبيات الفخر والشجاعة والكرم وغيرها التي تنسب لهم وعادة ما يعلقونها في منازلهم أيضاً.
وهو ما يؤكده المهوال الشاب عباس والي أيضاً، الذي يقول إنّه يكسب من إلقاء الأهازيج في بعض المناسبات أكثر مما يتقاضاه في عمله بصناعة الأثاث. يوضح والي لـ"العربي الجديد" أنّه يتعمد إلقاء الأهازيج الحماسية والمديح بحق زعماء قبائل وشخصيات قبلية لها مكانتها، في أثناء حضور المناسبات العامة. بدورهم، فإنّ هؤلاء الأشخاص يجودون على المهاويل الذين يمدحونهم بالمال. ويشير إلى أنّ "هذا معروف منذ القدم عند العرب، فكبار القوم يكرمون الشعراء بالمال عندما يمدحونهم، وكبار شعراء العرب منذ الجاهلية وحتى يومنا هذا قالوا المديح بحق شخصيات لها مكانتها في المجتمع، ومن الطبيعي أن يكرم الممدوح مادحه".
ويفضّل عراقيون أن تكون تهانيهم في المناسبات بإرسال مقطع من أهزوجة، عبر منصات التراسل، ويتراسل كثيرون بمقاطع أهازيج لمهاويل نالوا شهرة كبيرة. يقول خالد الناصري، وهو يعمل في إنتاج مقاطع فيديو وترويجها على منصة يوتيوب، إنّ مقاطع أهازيج المهاويل تأخذ صدى واسعاً ولها جمهور كبير. ويشير في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "محبي الأهازيج لهم ذوق خاص. ففضلاً عن شهرة المهوال فهم لا يتوانون عن دعم أيّ مهوال جديد على الساحة إن وجدوا أنّه يستحق الشهرة". ويلفت إلى أنّ "محبي الأهازيج ذائقتهم عالية جداً فلا يمكن لمهوال غير متمكن او ضعيف في الأداء أن ينال رضا جمهور هذا اللون التراثي... وحتى الشباب والمراهقون يميزون الجيد من غيره، وهو ما يتضح من خلال التعليقات وعدد المشاهدات على مواقع التواصل".
ولا تتوقف متابعة وحب الأهازيج على الذكور فقط، فعدد كبير من النساء والشابات يتابعن هذا النوع من التراث. وتعتبر شيماء عبد الستار (سنة ثالثة قانون) أنّ للأهازيج جمهوراً واسعاً من النساء "وهو أمر طبيعي" وفق قولها. وتذكر شيماء لـ"العربي الجديد" أنّ "شاعرات عراقيات يكتبن هذا اللون من الشعر"، مضيفة أنّها تتبادل مع صديقاتها مقاطع فيديو لأهازيج، وترى فيها "ثراء فنياً وثقافياً لا يمكن توافره واختزاله في العديد من الفنون الأدبية الأخرى". وتوضح: "هناك أهازيج مكونة من ست أو خمس أو حتى أربع كلمات، تحمل عمقاً كبيراً وتختصر حديثاً طويلاً أو قصة أو مشكلة، أو توجه تهديداً ووعيداً أو توصل معلومة أو تشيد بتاريخ قبيلة أو وطن". من جانب آخر، تذكر شيماء أنّ الدبكة التي ترافق الأهزوجة لها وقع كبير على من يشاهدها، موضحة: "يتميز بعض المهاويل في دبكاتهم، وهو ما يعطي إضافة إلى إمكاناتهم في صياغة الأهزوجة وطرحها. فالدبكة تزيد من متعة مشاهدة هذا الفن الشعبي". ووفق قولها فإنّ "نيل مهاويل الشهرة على نطاق واسع مثل مرتضى حرب وكاطع المياحي لم يأتِ من فراغ، بل لتمكّنهم من ناحيتي التأليف والإلقاء بالإضافة إلى امتلاكهم حناجر قوية وصوت جميل".
والأهازيج لون شعري يعتبر نتاجاً لبيئة عربية لها ثقافتها في وسط وجنوبي العراق، وهذا اللون مرتبط غير منقطع بالشعر العربي والتراث العربي والتقاليد العربية، وفق ما يذكر الباحث في التاريخ العراقي الحديث، ستار البغدادي. يوضح البغدادي لـ"العربي الجديد" أنّ "في الأهازيج جميع ألوان الشعر العربي، من هجاء ورثاء ومديح وغزل وحماسة ووصف وسياسة وحكمة". يتابع أنّ "المهاويل اليوم لا يختلفون عن شعراء العرب في عهد ما قبل الإسلام وما بعده، وهم يتلقون الهدايا من قبل كبار القوم لمدحهم أو لتحاشي هجائهم". ويضيف: "لكن، بطبيعة الحال هناك اختلاف في طريقة الطرح والإلقاء نتيجة البيئة وتأثيراتها الثقافية والتراثية، فالمهاويل يلقون الشعر بطريقة معينة فيها النغم ظاهر وبمقامات عديدة وبأسلوب شعبي نابع من بيئة عراقية ريفية". يشير إلى أنّ هذه الأهازيج "تكتب بالعامية العراقية، وأحياناً يجمع المهوال بين الشعر العامي والفصيح، بطريقة إبداعية لا تنقص من اللغة الفصيحة وترفع من شأن اللهجة المحلية". ويتابع: "ليس ضرورياً أن يكون المهوال شاعراً، فربما يعتمد على حلاوة صوته وقوة أدائه وتمكنه من شدّ الانتباه، فيما يكتب له شعراء آخرون القصائد والأهازيج لكي يرددها".


يضاف إلى كلّ هذا أداء المهوال، الذي يتحرك داخل المجموعة البشرية التي تحيط به وتنتظر منه شعراً مُحكماً، يرضي أذواقهم وينتهي بأهزوجة تدفعهم للتفاعل معها، وفق البغدادي، الذي يوضح أنّ هذا التفاعل يدفع المحيطين بالمهوال إلى ترداد الأهزوجة مع حركة دائرية جماعية تشد انتباه من يراها. ويذكر أن هذه الحركة التي تؤدى من قبل المجموعة "ترفع من حماسة الحاضرين... ومن يؤدونها يعبرون عن فرحهم إن كانت المناسبة سعيدة، أو غضبهم إن كانت المناسبة تتطرق إلى اعتداء على القبيلة أو الوطن على سبيل المثال، وتعبر عن الحزن إن كانت المناسبة حزينة مثل وفاة شخص، خصوصاً أصحاب المكانات الرفيعة في قبائلهم".