هنري غيز.. مشاهدات ديبلوماسي فرنسي في بيروت منذ 1808

15 اغسطس 2020
الصورة
من أحراج بيروت في سنة 1914(ويكيبيديا)

يقدم الديبلوماسي الفرنسي هنري غيز، صورة مفصلة عن بيروت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد كانت المدينة وقتها ولبنان بأجمعه، كما بلاد الشام تحت الإدارة العثمانية. لا يتوقف غيز عن كيل الهجوم للأتراك وتحميلهم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع بيروت وغيرها من المدن العربية.

وهذا ما دأب عليه أغلب الرحالة والمستشرقين الذين زاروا المشرق العربي. لقد كان همهم الأول والأخير، هو إحصاء أكبر قدر من المعايب لدى السلطة السياسية العثمانية وإدارتها المفلسة، التي كانت قد تقيحت بفعل تغلغل الفساد والرشوة والظلم والتشدد تجاه السكان الأصليين. وفي حين، كان الأجانب، ومنهم الفرنسيون، يتمتعون بمعاملة تفضيلية، في البلاد العربية، بسبب سخاء إدارة الباب العالي معهم، فإن العرب كانوا يعانون من المعاملات التجارية القاسية والصارمة، وخصوصا طبقة التجار منهم.

وقد سجل هنري غيز كل ذلك، في كتابه الضخم عن لبنان، واعتبر أن السبب الرئيسي في تقهقر هذه البلاد، وبشاعة واقع بيروت الجميلة، متأت من الخناق المضروب عليها وعلى أهلها، ولم يساعدها التنوع الطائفي الذي تتمتع به في إطلاق قوى الإبداع والانطلاق داخلها.

كان يرى أن ميناء بيروت، هو أحد هباتها "الإلهية" الذي جعلها في موقع التفوق على طرابلس وعلى دمشق

أما المدينة التي لم تعرف الزجاج في عمارتها، كما سجل ذلك غيز، إلا في بيوت الأغنياء، فإن الدبلوماسي الفرنسي، لم يكن يتخيل أن تتحول واجهة المدينة البحرية إلى واجهة زجاجية، سيفتتها انفجار غبي في نهاية العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين، هو الذي كان يرى أن ميناء بيروت، هو أحد هباتها "الإلهية" الذي جعلها في موقع التفوق على طرابلس وعلى دمشق، مؤهلة أكثر لربط الصلة بين مشرق العالم العربي وغربه، وبين أوروبا، وخصوصا فرنسا، حيث كان معروفا جدا في تلك الفترة، نشاط العديد من العائلات اللبنانية في التجارة البحرية بين بيروت وقبرص ومارسيليا.

 

عن الكاتب والكتاب

الكتاب هو “بيروت ولبنان، منذ قرن ونصف قرن”، والكاتب هو الدبلوماسي الفرنسي هنري غيز، ويحتوي الكتاب كما نشر بالفرنسية في تلك الفترة Relation d’un sejour de plusieurs années à Beyrouth et dans le Liban، وترجمه إلى العربية مارون عبود بعنوان مختصر “بيروت ولبنان، منذ قرن ونصف قرن” سنة 1948، على مادة مهمة تاريخية وجغرافية وإثنوغرافية للمنطقة بشكل عام، تساعد في فهم تكوينها.

وهنري غيز، علاوة على وظيفته الدبلوماسية كان يهوى تسجيل كل ما يراه حتى أتفه التفاصيل، والمملّ منها، وربما في هذا يكون مهووساً بالاستعراض أمام نظرائه من النخبة الفرنسية، يريد أن يطلعهم على مهاراته العالية التي اكتسبها من خلال إقامته الطويلة في لبنان وسورية، وأحقيته بالمنصب الذي يشغله، وأهليته له، فقد عُيِّن قنصلاً لفرنسا في لبنان في الفترة 1808-1828م، كما تولى قنصلية حلب في سوريا في الفترة 1838-1847.

 

تركيبة طائفية متنوعة

يقف غيز طويلا عند التركيبة الطائفية لبيروت وللبنان عموما، ويرى فيها مصدر غنى لهذا البلد، يمكن أن تمده بمصادر القوة، وبعلاقات خارجية قوية، مع القوى العالمية الموجودة في ذلك الوقت، لكن حكم الباشوات حوّل تلك التركيبة إلى نقمة، يجري من خلالها إضعاف السكان وإثارة النعرات الطائفية، لضمان استمرار حكمهم، يكتب "لم يبد لبيروت شأن، كمدينة تجارية، إلا منذ ثلاثين سنة تقريبا.

كان يهوى تسجيل كل ما يراه حتى أتفه التفاصيل، والمملّ منها، وربما في هذا يكون مهووساً بالاستعراض

وأستطيع أن أؤكد، لأني زرتها عامي 1808، 1810، أنه لم يكن يعقد فيها إلا صفقات تجارية قليلة. وبما أني لم أبارحها إلا عام 1828، بعد أن عدت إليها عام 1824، فقد استطعت أن أتتبع ازدهارها خلال فترة أربعة عشر عاما، في إبان نهضة صناعتها الحقيقية وتضخم ثروة سكانها. وهذه المدينة بالنسبة لعدد سكانهاـ تعد رابعة مدن سورية، فهي دون طرابلس التي تأتي في الرتبة بعد الشام وحلب.

ومن المؤكد أن عدد سكانها لا يتجاوز الخمسة عشر ألفا وخمسمائة شخص، منهم سبعة آلاف مسلم وأربعة آلاف من الروم الأرتوذكس، وألف وخمسمائة ماروني، وألف ومئتان من الروم الكاقوليك، وثمانمائة درزي، واربعمائة أرمني وسرياني كاثولوكي، ومائتا يهودي، وأربعمائة أوروبي.

تضافرت عدة عوامل على جعل بيروت المركز الأكثر أهمية على الشاطئ، منها موقعها المتوسط، وقربها من الشام، وجودة حرائرها، وهدوء خليجها، وأقول مع هذا إن العامل الأشد تأثيرا هو مجاورتها للجبل الذي حافظ أمراؤه، حاكموه القدماء، على سلطانهم فيه. وحيث لم يكن، لعشرين سنة خلت، بإمكان تجار البلاد، سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين، أن يمارسوا أعمالهم التجارية إلا خفية، ولم يكن في استطاعتهم أن يستقروا في مكان ما بصورة نهائية، كانوا يعيشون عيشة مؤقتة، وفي خمول وانتظار الحوادث التي قد تدهمهم.

ففي ظل الحكم الدستوري تستطيع الطبقة المتوسطة أن تعيش مترفة وتنفق سعة. أما في ظل الحكم المطلق الظالم فالسعة لا تقضي على أصحابها بالحرمان فحسب، بل تعرضهم أيضا للخطر الذي تجره عليهم. يجد الرجل في بيروت فوائد جمة لا يستطيع أن يجدها في أية إسكلة أخرى على عهد اضطهاد الجزار وظلمه وبلصه، هذه الأعمال التي جددها عبدالله باشا بضرائبه الفادحة فقد استمطر عليه غضب السلطنة العلية.

كان عبدالله باشا ينقاد كثيرا لمطامعه وإرشادات مستشاريه السيئة، بيد أنه لم يكن سفاكا ولا سفاحا، وقد لوحظ أنه كان يرجع، في بعض الأحيان، عن الإجراءات الظالمة التي عمد إليها، واستطيع أن أقول، بعد دراستي أخلاق عبدالله، إنه لو كان في بطانته صديق واحد لجعل الناس يبكون أيام حكمه.

كلفه حكمه ستة عشر ألف كيس، أي ما يقارب الخمسة ملايين فرنك، وهذه القيمة الفادحة يجب أن تضاف إليها الهدايا النفيسة المهداة إلى محمد علي بناء على توسطه. إن اضطرار عبدالله باشا إلى تأييد مركزه بالمال كان وسيلة لاختراع أساليب جمعه. وهكذا وفر السلب والاغتصاب والظلم، بعد أن نهبت المدن، مبالغ باهظة لتدفع إلى صندوق خزينة عكا".

 

شعب مسالم وهادئ

إضافة إلى هذا الكتاب، الذي يعتبر مرجعاً مهماً بالنسبة للمستشرقين والرحّالة الفرنسيين والأوروبيين بشكل عام، صدر له كتاب “موسوعة تاريخ لبنان»، وأيضاً كتاب «الأصول العربية لتاريخ سوريا في عهد محمد علي باشا». يكتب مارون عبود في مفتتح ترجمة الكتاب "هذا كتاب ضخم، يصوِّر لنا بيروت ولبنان يوم كان مؤلفه قنصلاً فرنسيّاً في الربوع اللبنانية؛ فالمسيو هنري غيز قنصل ابن قنصل، وُلد في ديارنا، ونشأ على هذا الساحل اللازوردي، وتعلَّم الفرنسية كما نتعلمها نحن؛ لأنه ربيب أسرة عتيقة المقام بهذه الأرض”.

يكتب غيز عن أهل بيروت "إن اﻟﺒيروﺗﻴين ﺷﻌﺐ ﻣﺴﺎﻟﻢ ﻫﺎدئ، وﻣﻊ ذﻟﻚ ﻻ ﻳﺴﺘﻨﻜﺮون اﻻﻏﺘﻴﺎب واﻟﻨﻤﻴﻤﺔ، وإذا ﺣﺼﻠﺖ ﻣﻨﺎزﻋﺎت ﻣﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﻫﺬه اﻟﻮﺷﺎﻳﺎت ﻓﺈن اﻷﺻﺪﻗﺎء المخلصين أواﻟﻜﻬﻨﺔ ﻳﺘﺪﺧﻠﻮن حالا، وﻫﻜﺬا ﻳﺴﻮد اﻷﻣﻦ وﺗﻌﻮد اﻟﺴﻼﻣﺔ إﱃﻣﺴﺘﻘﺮﻫﺎ. واﻟﻌﺮب ﰲﻛﻞ ﺣﺎل ﻟﻴﺴﻮا ﺑﺤﻘﻮدﻳﻦ،ً وإﻧﻨﺎ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ اﻟﻘﻮل إن أﺧﻼﻗﻬﻢ ﻻ ﺗﺰال ﺗﺤﺎﻓﻆ ﻋلى ﳾء ﻣﻦ ﺑﺴﺎﻃﺘﻬﻢ وﻃﻬﺎرﺗﻬﻢ اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ".

 

حكم الباشوات

يكتب غيز، مقيما حكم الباشوات في تلك الفترة "لم يستطع الباشوات حتى الآن أن ينتزعوا من لبنان امتيازه القديم، ألا وهو حماية المظلومين والمنكوبين. وهذا الأمر كان أكثر الأمور بساطة لأن سلطة متسلم بيروت لم تكن تمتد إلى ما وراء غابة الصنوبر، وعبر نهر بيروت، وهذه المسافة يمكن اجتيازها بأقل من نصف ساعة مشيا على الأقدام. فأكثر السكان الأغنياء كانوا يلجؤون إلى القرى الواقعة في سفح الجبل عند أقل بادرة تنبئ بالظلم، أو أقل خبر يسبق هذه النكبات المحزنة. كانوا يمكثون هنالك حتى تهدأ العاصفة، ولا يعودون إلا بعد دفعهم مبلغا من القيمة المفروضة عليهم، بحصولهم على كفالة تضمن لهم راحتهم.

كتاب ضخم، يصوِّر لنا بيروت ولبنان يوم كان مؤلفه قنصلاً فرنسيّاً في الربوع اللبنانية

وقد كان نزوح السكان يحدث جمودا في الأعمال إلى حد أن توشك الصناعة أن تشل وتقف حركتها، ويأخذ البؤس بالانتشار بين سواد الشعب، لذلك كانت السلطات تتسابق حينذاك على نيل "صفو خاطر" الباشا ورحمته، فيمنحهما بناء على التوسلات التي تعيده إلى فطرته الخيرة.

وهكذا أثرت بيروت على الرغم من تعنت السلطة وبؤس أساكل سوريا الأخرى، ولا سيما إسكلة عكا. أما الحروب التي خاضتها الشعوب فيما بينها، في حلب والشام، فسببت عدة مهاجرات إلى بيروت، وجميع الذين اضطرهم الاضطهاد إلى مغادرة منازلهم كانوا يجذبون بالطمأنينة التي يوفرها لهم لبنان.

كان بوسعهم أن يجنوا نفعا لهم دون أن يضطروا إلى الانقطاع عن مدينة بيروت ومزاولة تجارتهم. وفي تلك الأيام، ونظرا لهذه العوامل نفسها، أثرت ضواحي هذه المدينة، وازداد عدد سكانها، حتى إن لم ير في جميع البلدان، الخاضعة لسيطرة أمير الجبل، بلد مأهول هانئ العيش أكثر مما عليه في الضاحية المجاورة لبيروت، والممتدة من نهر المعاملتين حتى الشويفات.

 أوحى اضطرار التجار إلى استيراد أموالهم التي سلبت ظلما، أو هدرت في تنقلاتهم، كثيرا من الأساليب البارعة. لقد أصبحوا جريئين بقدر ما تسمح لهم الضمانات التي يوفرها لهم مستقرهم الجديد. لم يكن يعوقهم عن التبسط في أعمالهم التجارية إلى مدى بعيد إلا عدم الحماية.

غير أن الأوروبيين الذين استقروا في بيروت أخذوا على عاتقهم حماية أملاك هؤلاء من القراصنة اليونان الذين كانوا يغزون البحار آنذاك، ثم قبلوا فيما بعد أن يودعوا في خزائنهم البضائع التي يجد تجار البلاد بعض المنفعة في تسليمهم إياها.

 

مدينة مضنية وعمارة بلا تنسيق

"لا توحي مدينة بيروت، لأول وهلة، شيئا يثير الفضول، يلاحظ أنها حديثة العهد بتعاطي التجارة دون أن يدلنا شيء ما على أنها استطاعت جمع ثروات ضخمة. إن مظهر المنازل الخارجي هو من أكثر المناظر بشاعة، والفكرة الأولى التي تتبادر إلى الذهن، إذا ما نظرنا بعين الاعتبار إلى الذين يقيمون فيها، لأنها تنبئ عن حالتهم، هي أنه لا يمكن أن يكون في هذه المدينة سوى صناعيين ميسورين.

إن واجهات البيوت مبنية على الغالب، بحجر غير منحوت، وقد أخذت الأيام على عاتقها مهمة تلوينها، يهاونها في ذلك الدخان والمطر والغبار. ولما كانت الأخشاب تستعمل أيضا كما أوجدتها الطبيعة، أي بلا صقل، فالأبواب والنوافذ تكون في أغلب الأحيان من دون الجدران. أما ما يتعلق بتنسيق البيوت وترتيبها، فيجب أن لا نحسن الظن به، فعلى من يريد أن يلجها، أن يحني رأسه قليلا أو كثيرا تبعا لقامته، وإذا أراد أن يطل من النافذة فعليه أن يزج نفسه بانحراف إذا كانت بدانته تفوق المعدل قليلا، فعلو الشبابيك هو على الأكثر متر واحد، وعرضها خمسة وسبعون سنتيمترا، يفصل بينها حاجز صغير، وهذا التدبير الذي يلجؤون إليه ضروري لحماية الصغار، إن هذه الشبابيك تقوم على ارتفاع عشرة سنتيمترات أو خمسة عشر سنتيمترا من أرض البيت. كل ذلك يرجع إلى العادة المتبعة في الجلوس على الأرض، حتى إن الدواوين، التي تصنع من فرش رقيقة جدا توضع على حصر، أما الذين أصيبوا قليلا بعدوى البذخ فإنهم يضعونها على مقاعد لا يتجاوز علوها السنتيمترات الثمانية أو العشرة.

ومنذ مدة ليست بالبعيدة كاد الزجاج يكون غير معروف في مدينة بيروت، أما الآن فصرنا نجده في منازل الأغنياء. إن الحواجز والمصاريع التي نجدها في الشرق لم نشاهدها إلا عند الأوروبيين. لقد اضطروا، ليستطيعوا أن يعيشوا في هذه المنازل، إلى ترتيبها وتوسيع أبوابها ونوافذها بقدر ما يسمح لهم المكان والعرف المتبع. ومع ذلك، فقد لاحظت مثل هذه النوافذ عند الأتراك، ثم إني وجدت، طبقا للقاعدة التي تكلمت عنها في سياق مشاهداتي، أن كل شيء هنا يناقض كل التناقض الأشياء التي تصنع في أوروبا، وجدت أن صفائحها كانت مقلوبة رأسا على عقب، فأعلاها في الخارج وأسفلها في الداخل، بنوع أنها تفسح في المجال لدخول حرارة الشمس والهواء، وتمنع الناظر من أرى يرى شيئا في الشارع أو أن يًرى.

إن ذلك في الحقيقة شبه حاجز، وليس أباجورة. إنه يستحيل على أي كان أن يتصور الفوضى التي تسود في الشارع والمساكن في بيروت. وفي هذا يقول السيد بوغولا "إنني لم أر غرابة وشذوذا أكثر مما رايت في بيروت العربية، إن منازلها المبنية بالحجارة عالية أكثر منها في أي مدينة من مدن سوريا، فقبابها وسراديبها السرية وممراتها المظلمة وشوارعها الضيقة الملتوية تبعث لأول وهلة، نوعا من الهلع في نفس السائح الذي يريد أن يطوف في أنحائها، إن كل بيت يؤلف مخبأ لا يقتحم، والحي الإسلامي بنوع خاص يبدو كأنه مأهول بطبقة من المساجين.

إني لم أجد صعوبة تضاهي الصعوبة التي أشعر بها حين دخولي بيتا من بيوت بيروت. ويمكن القول إن كل واحد منها يصلح لمركز دفاع". إن مدينة بيروت هي مضنية حقا، بالنظر إلى بيوتها التي تفصل بينها ممرات معوجة، وتربطها قناطر قامت عليها غرف تضعف نورها الذي لم يكن قويا بسبب تلاصق شوارعها الضيقة.

فاضطرار المرء إلى أن يسمر نظراته برجليه، وهذه إحدى حسنات المتاعس، يحول دون رؤية بنايات بيروت الكريهة، ولما كان المسافرون يشعرون ببعض الغبطة عندما ينجون من خطر ما، فإنهم يهنئ بعضهم بعضا في نهاية كل مرحلة من هذه المآزق الحرجة.