هندسة الاستبداد: سياسات العمارة الشمولية

10 نوفمبر 2014
الصورة
"أوتيل موسكو" قرب الساحة الحمراء
+ الخط -
بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكترسيخ للقيم الشمولية، نجح عدوّا الاشتراكية الأيديولوجيان، هتلر وموسوليني، في ولوج معجم العمارة العلمي، فكانت العمارة الفاشية. بالطبع، هذا لم يمنع الطاغية السوفييتي ستالين من تحقيق مآربه التي تخطّت مثيلاتها في تجسيد عمارة ما بعد الثورة؛ العمارة الستالينية.

من روما القديمة، استوحى معماريّو الحكومات الفاشيّة والنازيّة تصاميمهم. هكذا، شهدت أوروبا في بدايات القرن العشرين نزعة شعبوية نحو المباني المتناظرة التي هي عبارة عن هياكل إنشائية ضخمة تحتقر محيطها، ويشوبها التّكرار؛ مبانٍ وَصَمَت الطابع المعماري للجزء الغربي من هذه القارة.

يشير أدولف هتلر، في العديد من خطاباته، إلى المخطّط النّازي لإعادة تصميم ألمانيا من خلال ضرب معالم العصرنة التي كانت تحاول التسويق للأفكار الثورية آنذاك. وفي إشاراته، كان هتلر يلمّح إلى مدرسة BAUHAUS، أو "بيت العمران"، التي أقفلت أبوابها في العام 1933 تحت الضغوضات، بعدما اتّهمت الحكومة النازيّة وجوهها بالعمالة الفكرية للشيوعية.

إثر إخلاء الساحة الثقافية الألمانية من رموز "العرقية الأدنى"، بحسب تعبير هتلر، بدأ الرايخ الثالث برسم الوجه "الملائم" لألمانيا: إمبراطورية رومانية بنسخة نازية، تزيّن أعمدتها نقوش نيوكلاسيكية.

"مذبح النّصر" لم يعد إغريقياً بعد بناء مثيلٍ له، فالنازيّة انتزعت هويته بعدما اعتبرت أنّ الإغريق تلقّحوا ببذور آريّة. أمّا "المدرّج الرّوماني" الذي اعتُمد أيضاً، فقد شكّل رمزاً لأبديّة الحكم النّازي، بعد أن ادّعى هتلر أن أجداد بعض من شاركوا في بنائه التحموا بالنسيج الاجتماعي للدولة الرومانية.

المقاربة التاريخية التي قدّمها هتلر لم تكن سياسية فقط، فأهواء الرجل الفنية وبراعته في الرسم المعماري، قبل دخوله معترك السياسة، ساهمتا في تعزيز قراراته الإنشائية التخريبية معاً. حتّى أنّه تمنّى يوماً ألا يتذكّره العالم من خلال ما فعله لألمانيا بل من خلال فنّه.

في المقلب الآخر، كانت الاشتراكية الكلاسيكيّة، أو "الطراز الإمبراطوري الستاليني"، كما يفضّل تسميته الناقد الروسي فلاديمير بابيرني، مؤلّف "العمارة في عهد ستالين".

رغم انتمائه إلى مدرسة الواقعية الاشتراكية، ينتقد بابيرني مفهوم ستالين من ناحية مشاركته وهتلر العداء لمدرسة "ما بعد الحداثة" المعماريّة. وكان يقتضي المخطّط المدني السوفييتي إخضاع المناطق الرئيسية للتخطيط العام الذي وضعته مجموعة من المعماريين، مع الأخذ في الاعتبار جغرافية المقاطعات التي يشملها المخطّط.

وذلك بعيداً عن المخطّطات التي ارتسمت نجاحاتها بالانتقائيّة، إذ كان المشروع نفسه يُرفَض لعدم مراعاته المعايير الاشتراكيّة في السنة الأولى، ثم يرحّب به في السنة التالية لإعجاب اللجنة المركزية للحزب الشيوعي به. وهي اللجنة التي استفردت بقرارات الاتحادات الفنية والأدبية، لتحلّها لاحقاً وتستبدلها باتحاد واحد لكلّ قطاع، بحيث يتبع كلّ منها في الختام قرار ولي عرش البولشيفية، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي.

تجسّدت هذه الحقبة من تاريخ استلام ستالين السلطة في مبانٍ ارتفعت داخل موسكو التي أعيد تخطيطها بين العامين 1918 و1924، يتصدّرها مبنى "موخوفايو"، في قلب العاصمة، الذي يمثّل بداية التّخطيط. وهو عملٌ لأحد أهمّ معماريي الحقبتين، القيصرية ثم الشيوعية، إيفان زولتوفسكي، الذي اختار لتصميمه أن ينتمي إلى حقبة النهضة الإيطالية، ويمثّل الواقعيّة الاشتراكيّة في أبرز تجليّاتها المعمارية.

وشمل التّخطيط شوارع موسكو الرئيسية، ومعرض "اتحاد مزارعي روسيا"، و"قناة موسكو"، قبل أن توقفه الحرب، ثم يعود بعدها ليبدأ شمالاً في مدينة ستالينغراد (حالياً فولغاغراد)، ومشروع "قناة فولغا-دون" التي شارك في إنجازه أكثر من مئة ألف عامل من سجناء المرحلتين.

وبينما تعود فكرة مشروع "الأخوات السبع" إلى ستالين شخصيّاً، الذي أراد أن تتوسّط موسكو ناطحات السّحاب، انتهى بناء "موسكو ـ مترو" أواخر العام 1957، تاريخ نهاية حقبة العمارة الستالينية.

أحد تجليّات هذه العمارة، التي خلطت القرارين السياسي والمعماري ضمن أسلوب سورّيالي، كان مبنى "أوتيل موسكو". عمارة تتوسّط المدينة وتربط "الساحة الحمراء" بمبناها البلدي القديم الذي يحمل ضمن واجهته الرئيسية تصميمين.

ومع أنّ المعماري ألكسي شكوسيف كان قد وضع مخطّطاً واحداً للمبنى المذكور، بناءً على طلب ستالين عام 1932، إلا أن الأخير كان قد وقّع على قرار بدء التنفيذ على خرائط التصميم نفسها، كما جرت العادة.

وقد احتوت الخرائط على تصميمين كان قد وضعهما شكوسيف ليختار ستالين إحداها، غير أنّ ستالين اختار التوقيع بين التصميمين، الأمر الذي أربك شكوسيف ودفعه، خوفاً من الطاغية، إلى اعتمادهما معاً في تشييده الواجهة المذكورة.

المساهمون