هموم شعرية: مع فوزي يمين

02 يوليو 2019
الصورة
(فوزي يمين)

تقف هذه الزاوية مع شاعر عربي في علاقته مع قارئه وخصوصيات صنعته ولا سيما واقع نشر الشعر العربي المعاصر ومقروئيته.

■ من هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك شاعراً مقروءاً؟
- في الحقيقة، لا أعرف بالتحديد مَن هو قارئي (مَن هو القارئ أصلاً؟). لكن يطيب لي أن أتخيّل أنّه من روّاد المقاهي، ضجور، متأمل يوميّ، يحبّ المرح واللعب أكثر ممّا يحبّ الشعر الذي تعلّمه في المدرسة وفي الجامعة. شخصيّاً، لا أفكّر بقارئي. ربّما لأنّي أكتب لنفسي أوّلاً، ثم لأنّي لا أكتب لأحد أعرفه. وفي حال كتبتُ لأحد، فلمجهول. في بالي دائماً أنّ هناك غريباً يجلس على حافة العالم ينتظر كلمة منّي، أو يجلس في قلب العالم ويشعر بأنه وحيد. من الممكن أن يكون قارئي أيّ أحد أو لا أحد.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، هل لديك ناشر وهل هو الناشر الذي تحلم به لشعرك؟
- علاقتي مع الناشر تقتصر على التالي: أسلّمه كتابي وينتهي الأمر. لا أهتمّ بتاتاً بالمراحل التي تلي ذلك. يهمّني فقط مسألة واحدة في هذا المجال، أن يصل كتابي إلى أشخاص لا أعرفهم. ليس لديّ ناشر واحد. في السابق، نشرتُ كتبي في عدّة دور نشر. ومؤخّراً رسوتُ على دار النهضة العربيّة في بيروت، التي كنتُ قد طبعتُ فيها كتابين منذ عشر سنوات تقريباً. يبدو اليوم أنّي سأستقرّ في أحضانها، لأنّ هذه الدار تحبّ الشعر وتدعمه، وهذا هو الأساس.


■ كيف تنظر إلى النشر في المجلات والجرائد والمواقع؟
- في الأساس، أنا من الجيل الورقيّ. عملتُ لسنوات طويلة في الجرائد، وتحديداً في صفحاتها الثقافيّة. كتبتُ شعراً ونثراً، وكتبتُ عن الشعر والموسيقى والرياضة، وترجمتُ أشياء أحبّها، وقمتُ بتحقيقات، وبمراجعات لكتب متنوّعة. إنها مرحلة انتهت إلى غير رجعة. لا علاقة لي اليوم بالنشر في الجرائد والمجلات والمواقع، إلّا نادراً. عندي توجُّس من هذا الفضاء الافتراضيّ المفتوح. لا أشعر فيه بالكثير من الأمان. كأنّما فجأة انفتح مزلاج الباب ودخل كلّ شيء مع كلّ شيء. اختلط الحابل بالنابل. الوكيل بالأصيل، والمبدع بالمقلّد، والسارق بالشريف، والعميق بالسخيف، والذكيّ بالغبيّ. أحياناً يطلب منّي أصدقاء بأن أرسل لهم بعضاً من نصوصي لينشروها على مواقع يعملون فيها أو تربطهم صداقات مع أصحابها، فأفعل دون تردّد. ربّما يكون هذا تقصيراً منّي، أعرف، لكنّي لا أشعر بالذنب. أعتبر أنّ الحضور الشعريّ ليس حضوراً جغرافيّاً بل هو حضور نفسيّ في الدرجة الأولى. يهمّني غيابي الشعريّ خارج الدورة الاجتماعيّة، والمطحنة الثقافيّة، والطاحونة الإعلاميّة، والمفاهيم النقديّة. لا أبحث عن حضور شعريّ إنما عن حضور في الشعر.


■ هل تنشر شعرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف ترى تأثير ذلك في كتابتك أو كتابة زملائك ممّن ينشرون شعرهم على وسائل التواصل؟
- أنشر بعضاً من كتاباتي على الفايسبوك فقط. ومن جرّاء ذلك، صار عندي أصدقاء متابعون كثر، وهذا شيء يدعو إلى السرور. أتابع بعض الزملاء الشعراء، ويتابعونني، وأفرح بهم، ويفرحون بي. لكنّ جزءاً كبيراً من الشعراء الذين ينشرون على وسائل التواصل، أتخلّى عن قراءتهم من السطر الأول أو الثاني، فليس كلّ مَن دبّج كلمتين أو وُفّق باصطياد صورة، شاعراً. بشكل عام، أفضّل أن أعمل في الظلّ على شعري، لأراه يوماً ما مطبوعاً في كتاب.


■ مَن هو قارئ الشعر العربي اليوم في رأيك؟
- أعتقد أنّ المعنيّين بالأدب بعامّة، وبالشعر بخاصّة، هم الذين يقرؤون الشعر العربيّ اليوم. أساتذة، طلاب، شعراء، أشخاص من هذا القبيل. أو الذين لديهم حنين، أو عطش إلى الشعر. جزء كبير من القرّاء على مواقع التواصل لا طعم ولا لون لهم. إنّهم متابعون فحسب. القرّاء نادرون. القرّاء أهمّ من الشعراء، لكنهم شبه مفقودين اليوم. اليوم الشعراء كثيرون، والقرّاء قليلون.


■ هل توافق أن الشعر المترجم من اللغات الأخرى هو اليوم أكثر مقروئية من الشعر العربي، ولماذا؟
- الشعر المترجم من اللغات الأخرى أكثر مقروئيّة من الشعر العربيّ؟ لا علم لي بذلك. لا أملك إمبراطوريّة نشر، أو شركة إحصائيّة، أو مركزاً للترجمة، لأبتّ بهذه المسألة. كلّ ما يمكنني قوله في هذا المجال، أنّي شخصيّاً أفضّل قراءة الشعر المترجم (اللهم إذا كانت ترجمته جيّدة) من باب التعرّف إلى تجارب غير عربيّة، ذات حساسيّة ومزاج ومعرفة وثقافة وتجربة مختلفة.


■ ما هي مزايا الشعر العربي الأساسية وما هي نقاط ضعفه؟
- مزايا الشعر العربيّ كثيرة. منها أنّه ممعن في القدم، وغزير في الإنتاج (الشعر ديوان العرب)، وغنيّ في الأنواع والتجارب، ومتجدّد في المسار، وقابل للتطوّر، شكلاً ومضموناً على حدّ سواء، من العصر الجاهليّ حتى العصر الحديث. وأعتقد أنّ الشعر العربيّ استطاع الدخول في الحداثة، بينما بقيت سلطات وأنظمة مجتمعاته متخلّفة. أما بالنسبة إلى نقاط ضعفه فمن الممكن اختصارها بأنّ الشعر العربيّ لا يزال، في جزء كبير منه، سجين المناسبات الاحتفاليّة، ورهين المنابر الجماهيريّة، يلهث وراء التأييد والتصفيق. ولا يزال أيضاً ينسج على منوال التراث، مُتكئاً في ذلك على قيم ومرجعيّات قديمة بائدة تخطّاها الزمن، وينتظر على مواقع التواصل أكبر عدد ممكن من اللايكات. الشعر ليس خطاباً سياسيّاً أو دينيّاً أو أيديولوجيّاً. الشعر يُكتب في الصمت، وفي الصمت يُقرأ. إنه أشبه بذبيحة إلهيّة، بعشاء سرّي، بوليمة طقوسيّة، بعشق صوفيّ محموم.


■ شاعر عربي تعتقد أن من المهم استعادته الآن؟
- في المرحلة العربيّة الراهنة، من المهمّ استعادة الشاعر السوري محمد الماغوط، بكامل نقمته، وانتقامه، وشقائه، ويأسه، ومرارته، وأنيابه، ومخالبه، وشراهته، وجوعه، وعطشه، وخشونته، وحماوته. فهو لا يزال، بكلّ صدق وقوّة، الناطق الرسميّ الشعريّ باسم جميع الفقراء، والمشرّدين، والعراة، والحفاة، والمتسكّعين، والمعذّبين، والمنعزلين، والمطرودين، والمهمّشين، والمحرومين، والمغبونين، والمقهورين، والجائعين، والمحطَّمين، والمعبِّر عن عذاباتهم وآلامهم في أمّتنا التي تزداد تعصّباً وخراباً.


■ ما الذي تتمنّاه للشعر العربي؟
- أتمنّى للشعر العربيّ أن يخون نفسه كلّ يوم كي يبقى على قيد الحياة.


بطاقة
شاعر من مواليد زغرتا شمال لبنان عام 1967. أستاذ متفرّع في الجامعة اللبنانيّة بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة. من أعماله: "في الوقت بين سيجارتين" (2019)، "التحوّلات في شعر أنسي الحاج" (2017)، "في انتظار الانفجار الآتي" (2016)، "تمارين على تبديد الوقت" (2013)، "كلاسيك" (2011)، "تضع كرسيّاً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق" (2010)، "ألف وتاء طويلة" (2008)، "كلاب العزلة" (2007)، "توقّفوا، أريد أن أنزل" (2004)، "حياة من دون فلتر" (1996)، "المستلقي على طابقه الأرضيّ" (1994).

تعليق: