هل يُهدّد زينهُم إمام نظام السيسي؟

21 ابريل 2020
الصورة

عادل إمام في مسرحية الزعيم: الأحلام بالناس تتحقق

هناك جدل واسع عن مصداقية رسالة الفنان في الواقع الوطني أو الإنساني الذي يعيشه، لا أظن أن له رصيداً جيداً للفخر في نجوم الدراما العربية، لكن ذلك لا يُلغي بعض رسالة هذه الفنون، وبالتالي يظل لرسائل الفنان، أو التي كتبها المؤلف أو السيناريست، بصمة تَعلَق في ذاكرة الشعوب، على الرغم من أن واقع مسيرة الفنان قد تخالف الموقف المبدئي. وحتى مساحة هذا التقييم لموقف الفنان المبدئي، ستختلف بين ما يمنحه للمستبد وآلته القمعية، وإسناد لأعمال إرهابية شنيعة، لنظامٍ أباد وشرّد الملايين من شعبه. ولعل الفنان السوري دريد لحام يمثل هذا النموذج، وبين تصريح مساند للنظام وداعم، ولكن لديه مساحة مستقلة عن الإرهاب الحكومي. فهل هذا يصدُق على عادل إمام، أهم شخصية لعالم الكوميديا العربية، وأهم ممثل لمصر تعرفه كل الشاشات العربية البعيدة، والمنصّات العالمية التي انتخبته سفيراً للنيات الحسنة؟
لن يُغيّر التحفظ على أي مشاركة في دعم الاستبداد موقف الناس من الفنّان الذي يحكمه جمهوره الكبير، لكنه يُشير إلى فهم آخر لموقفه، خصوصا حين نحاول أن نفهم الرسائل الفكرية أو الوطنية الثقافية لأدواره، أو المبادئ التي سُجلت في هذه الأدوار. ففي لقاء تلفزيوني موسّع مع عادل إمام، أجري في عام 2019، شمل رحلته العائلية وأحفاده، حرص إمام على التمسّك بنموذج الطبقة المصرية الوسطى، مذكّراً بصورة المهمشين والغلابة من الشعب المصري، ولغة البسطاء وحياتهم التي عكسها إمام بالفعل في الشاشة العربية، وتجاوز مصر إلى كل الوطن 
العربي، على الرغم من أنه أيضاً لم يُسقط تدعيم أعماله بمشاهد وسلوكيات منحرفة لهدف توسيع سوق العمل، لغرض رأسمالي آخر لسنا في صدد تحليله اليوم. وبدا إمام بالفعل ممثلاً لتلك الفلسفة المصرية العميقة التي تتمسّك بروح مختلفة عن السائد في حالة التقليد الثقافي للفن والآداب التي تُستنسخ عربياً، عن رحلة الغرب وحركة فنونه، من دون النظر في صحة هذا التطور أو الانحراف، فهو الإنسان المصري الذي أخذ ثقافته من الفلسفة الفنية والانفتاح الثقافي نفسيهما، ولكنه ابن تقاليد الشرق الإنسانية المؤمن بالإسلام حقيقة ثابتة، لقناعته الفكرية وبالأسرة الشرقية المتماسكة المتحدة بين المرأة والرجل، وحياة الطفولة الطبيعية.
ويثير هذا بالطبع جدلاً، مع رسالته في مواجهة عمليات العنف والإرهاب التي أنجزها وصبّت في صالح نظام حسني مبارك، عبر أعمالٍ فنية متعدّدة ضد هذه الطبقة، فأين يُمكن فرز مسؤولية النظام السياسي وتلاعبه بحركة العنف التي كُشفت بعد ثورة 25 يناير في العام 2011، ودور النظام الذي عاد في نسخة أسوأ بعد "30 يونيو" في 2013، من حالة التطرّف الحقيقية التي انغمست فيها الجماعات المسلحة في مصر، والتي قاد الخروج منها مبادرة وقف العنف التي تبنّاها الإمام الشعراوي، بعد مراجعاتٍ عميقةٍ للجماعة الإسلامية في مصر.
ولنُلاحظ هنا أن مصطلح "السُنيّين" في مصر، خصوصا في الصعيد الذي كان يقصد به الشباب السلفي التقليدي، وتوسع الانتماء له في مصر عبر مشروع وظيفي ضخم للدولة السعودية، وكانت الصورة الإيجابية لهم حركتهم الاجتماعية والاقتصادية بين الفقراء، والبرّ الوفي للآباء المطحونين تحت الحياة الصعبة، هنا نلحظ تداخلا اجتماعيا مهما للمجتمع المصري والطبقة الوسطى والمحدودة التي يفخر إمام بأنه ظَل يمثلها. ولم تنعكس هذه الطبقة بالطبع لا على أسرة مبارك ولا عبد الفتاح السيسي، وإنما انعكست في الرئيس الشهيد محمد مرسي 
وأسرته، وهنا منظورنا الاجتماعي يفرز الرئيس مرسي، من دون إسقاط أخطائه أو أخطاء جماعة الإخوان المسلمين التي ساعدت الثورة المضادّة على تنفيذ مشروعها المركزي في إسقاط ثورة يناير، ونضعه في إطار الوطنية الاجتماعية والطبقات الكادحة.
سنلاحظ اليوم أن "السلفية السعودية" كانت أيضاً الذراع الثقافي القوي الذي استخدمه السيسي، داخل هذه الطبقات، والذي يمثله الشيخ محمد حسان وآخرون. وبلوحة أكبر، نرصد اليوم دفع هذه القوى المجتمعية في صراع وظيفي، ما بعد إسقاط ثورة يناير، لتتحوّل مصر إلى محمياتٍ لصالح الدول الراعية، فالمحمية الأولى التي ترعاها أبوظبي تجمع بين السلفية الجامية أو القريبة منها، والتي انتشرت بالدعم السعودي، مع تلك الإمبراطورية الضخمة من الإعلام المصري في نموذج عمرو أديب وغيره، والتي لا يُمكن أن تجد لها وصفاً يتطابق معها، كما هو مشاهد وكلمات الأوبريتات الغنائية لمسرحية الزعيم، إحدى أنجح أعمال إمام التي أشار إليها في اللقاء.
في حين تشكلت طبقة أخرى لصالح محمية إسطنبول، بعد تجمّع بعض نخب المعارضة التي 
تقاطعت مع الموقف التركي الرافض انقلاب عبد الفتاح السيسي، ثم تطور الصراع إلى محاور مصالح، وَظّفت المشهد المصري لصالح ما تسمى العثمانية الجديدة، وهو مشروع قومي للدولة التركية، بحيث أضحت ثقافة الطبقات الاجتماعية في مصر اليوم تحت صراع المحميتين، والتي تغيب فيها شخصية الثائر الاجتماعي البسيط والمؤمن بمصر من دون شيوخ نفط الخليج، ولا مشايخ العثمانية الجديدة، وكأن المسرح الوطني فارغٌ من شخصية أحمد عُرابي الجديد. وهنا تبرز لوحة الانتقال الأخيرة للإعلام المصري، حيث نلحظ العودة إلى فكرة تأليه الرئيس، خصوصا بعد أزمة كورونا، فإعلام النظام، وفي التناقض المتتالي في تفسير موقف السيسي، بات يقرّبه إلى مصاف الآلهة التي عانى من ثقافتها إنسانُ مصر منذ التاريخ القديم للفراعنة حتى المماليك، والاستبداد الأخير.
ومؤكّد أن عنوان المقال مرفوض من عادل إمام نفسه، من خلال موقفه أو من خلال مخاوفه، ولكن لزينُهُم الذي مثّل دوره إمام رأي آخر، لو افترضنا نظرية الموت الثقافي للممثل بعد دوره، فتُختتم مسرحية الزعيم التي تعكس المشهد المصري الحالي بأوبريت ثوري، بعد أن يُسقَط مسرح الحكم، فيُغني زينهم باسم الشعب فيقول:
الشعب اللي مصيره في أيده../ هو الفارس هو الحارس/ والأحلام مش عايزة فوارس../ الأحلام بالناس تتحقق.