هل يعود الفلسطينيون إلى "اليهودية"؟

12 يوليو 2015
الصورة
(عمان ورام الله: دار الشروق، 2014)
+ الخط -
ليس السؤال افتراضياً تماماً، بل هو أحد الحلول التي يطرحها تيار إسرائيلي له حضوره في الشارع السياسي الصهيوني حتّى، ويدعو عبر وسائل مختلفة، إلى "عودة" الفلسطينيين، وبعض العرب، إلى أحضان الديانة اليهودية التي ما تزال دماؤها تجري في عروقهم. ولهذا يرى بعض أبناء هذا التيار أنه "لا يجوز للأخ أن يرفع على أخيه سيفاً!"، ولا بد من إيجاد حل يبتعد عن حل "الدولتين" الذي سيكون مجرد حقن موقت للدماء!

هذا ما يورده الباحث والدبلوماسي الفلسطيني الدكتور علاء أبو عامر، في كتابه الذي نتناوله هنا. وبدءاً من عنوان الكتاب، يقرر الباحث ما يمكن اعتباره اكتشافاً نهائياً وغير مسبوق، وذلك حين يعطي لكتابه هذا العنوان الحاسم "فكّ الشيفرة التوراتية"، في حين كان الأجدر ربّما اعتباره "محاولة لفكّ"، فضلاً عن إطلاقه عنواناً فرعياً يتضمن مفردة "الحقيقي" التي يصعب لباحث استخدامها، فهو في عنوانه الفرعيّ يستخدم عبارة "التاريخ الحقيقي للشرق العربي" فيبدو كمن حسم القراءات والخلافات المستمرة، منذ مئات السنين، في شأن هذا التاريخ الذي ما يزال قيد الدراسة والبحث عن "الحقيقي" فيه.

ربما كانت هذه الدرجة العالية من "الوثوقية" في التقرير، أهم المآخذ على كتاب أبو عامر، والذي جاء في 448 من الصفحات بالحجم الكبير، ما يعني أننا أمام عمل بحثي كبير وجادّ لا تقلل الملاحظات الكثيرة من أهميته.

بدايات ونهايات

تقوم فكرة الكتاب على اعتبار التوراة "مادة تاريخية كتبت خلال عصور عديدة، ومن قبل كُتاب مختلفين وفي أزمان مختلفة"، إذ يؤكد المؤلف أن هذه التوراة التي بين أيدينا ليست توراة موسى التي ضاعت بأسفارها الخمسة قبل وأثناء السبي في بابل، ففي مدخل الكتاب يستعرض المؤلف موقف علم الآثار من العهد القديم، ويتناول أقوال مؤرخين كثر، عرب وأجانب، بل إسرائيليين مثل البروفيسور زئيف هيرتسوغ أستاذ علم الآثار في الجامعة العبرية، فيأخذ من مقالة له تحت عنوان "لا يمكن اختلاق العهد القديم على الأرض"، ما يعتبر أنه "لا يمكن تجسيد أحداث التوراة على أرض الواقع من الناحية التاريخية".

من هنا يبدأ المؤلف بحثه في مفهوم "شعب التوراة"، لينتهي بفصل يتناول فيه قضية "بقايا بني إسرائيل". وما بين الفصلين الأول والخامس عشر والأخير، تجري مياه البحث في حقول التاريخ والجغرافيا والآثار والدين والأيديولوجيا والسياسة واللغة، لترسم معالم وملامح الصورة التي أراد الباحث أن يصوغها من جديد، على أنقاض الصورة السائدة عن "شعب التوراة"، وصولاً إلى البحث في المقولات التي ترى في الفلسطينيين الحاليين، خصوصاً أبناء وفلاحي القرى، جزءاً من بقايا بني إسرائيل. فهو إذن يقدم رؤية جديدة لتاريخ المشرق العربي القديم، من خلال تحليل ومعالجة نصوص التوراة والإنجيل والقرآن والآثار وغيرها.

في حقل اللغات

في سياق بحثه اللغوي في الأسماء، يروي الباحث كيف اكتشف معنى اسم إبراهيم حين كان يصلي في أحد مساجد موسكو إلى جانب رجل إيراني، فسمعه ينطق الحاء في البسملة "بسم الله الرهمان الرهيم"، وحين قطّع الاسم إلى "أب رهيم" وجد أنه "أب رحيم"، وهي تعني "أبا المطر الناعم، فالرهم هو المطر الخفيف بالعربية". وكذلك الأمر في ما يتعلق بالاسم أبرام، فهي أب رام، وتعني أبا الإله الهندو- آري "رام"، ورام بالعبرية الحديثة تعني العلي أو العالي أو الأعلى، ومنه جاءت تسمية طبقة الكهنة الهندية البراهمين أي البراهمة، أو البرامن أي الأب رامن.

وبالوصول إلى "بقايا بني إسرائيل"، نجد الباحث قد جمع لنا مادة غنية تبدأ بسؤال "من هم؟"، ويأخذ بما قاله مكسيم رودنسون إن "من المحتمل جداً، على ما أثبته علم الأنثروبولجيا الفيزيقية، أن السكان الموصوفين بأنهم (عرب) في فلسطين، فيهم من دم قدماء العبرانيين، أكثر مما لدى أغلبية اليهود في الشتات"، ليخلص إلى أن بعضاً من هؤلاء "هم ذلك الجزء من الشعب الفلسطيني الذي ما زال يسكن حتى الآن المناطق الواقعة في غرب نهر الأردن، أي القدس والضفة الغربية، والبرهان على ذلك من العهد الجديد..".

وينتقل إلى العصر الحديث، وإلى أيامنا هذه، لينقل عن تقارير صحافية دعوة مؤرخين يهود إلى أن يعتنق الفلسطينيون اليهودية، وأن هناك كتيبات ودراسات لليهود تثبت أن الفلاحين الفلسطينيين من أصل يهودي وأن الدماء اليهودية تسيل في عروقهم، وأنهم اضطروا لتغيير ديانتهم خوفاً من الرومان.. وأن بن غوريون كتب ذلك في ملاحظاته عام 1917 حين زار فلسطين، وشاهد أن الفلاحين في فلسطين لهم ملامح مختلطة وشعر أشقر وعيون زرقاء.

وينتهي الباحث إلى عرض رأي قائم على نظرية "الارتباط" الصهيونية الجديدة، يرى فيه تسفي ميسناي، المتخصص في التطوير الصناعي، أن الفلاحين في الضفة الغربية هم من أصل يهودي اضطروا لتغيير ديانتهم، وأن الوقت قد جاء لإعادتهم إلى الدين اليهودي، وأنه "آن الأوان، بعد ألفي عام للقاء الإخوة وإعادة توحدهم بعد أن أصبحوا أعداء لدودين، وأن (لا يرفع أخ على أخ سيفاً)..".

بل إن علم الأجناس اليهودي يرى أن أهالي الكثير من القرى والعائلات الشهيرة تعود أصولهم الدينية إلى اليهودية، ولا تنجو من ذلك قرى مثل وادي فوكين وخاراس وصوريف، وعائلات مثل النشاشيبي والرجوب والتعمري.. وبالتالي فإن حل الدولتين غير مطروح، والصحيح هو عودة سكان الضفة والأردن وسيناء إلى الدين اليهودي. وهناك خطة جاهزة لذلك تعتمد عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والدين.

(كاتب وشاعر أردني)

المساهمون