هل يشدّد الانفجار قبضة حزب الله على لبنان؟

14 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

هل تبقى أسباب كارثة انفجار مرفأ بيروت لغزا، على الرغم من أنه تحوّل إلى زلزال سياسي سيغير وجه لبنان؟ وحدها الصور لحظة وقوع الانفجار، وتكوّن "فطر هيروشيما" فوق المرفأ، في سماء بيروت، ربما يعطيان فكرة حقيقية عن هول ما حصل. البحث بين الأنقاض وتحتها مستمر عن المفقودين والضحايا، بعدما انقطع الأمل بالعثور على أحياء، وعما يمكن أن يدل إلى معطيات ومؤشرات تفيد التحقيق، أو إلى أسرار تبقى على الأرجح أسرارا! سارعت السلطة إلى تشكيل لجنة تحقيق فريدة من نوعها، لتحديد الأسباب والمسؤوليات برئاسة رئيس الحكومة نفسه وعضوية وزراء ومسؤولي الأجهزة الأمنية، ولا تضم أي قاض أو محقق أو رجل قانون. وحدّد لها رئيس الحكومة، الذي اضطر بعدها للاستقالة، وجهة التحقيق، حصرها بالإهمال والإخلال بواجبات الوظيفة، مستبعدا أي فرضية أخرى يصعب ضبط مسار التحقيق فيها أو التحكم بنتائجها أو تحديد المسؤوليات والمرتكبين. وكما بات معروفا، فإن الانفجار الذي دمر أحد أهم المرافئ على البحر المتوسط، ما أدّى إلى اشتعال كمياتٍ كبرى من مادة نترات الأمونيوم، بدا لأول وهلة وكأنه عملية اغتيال تشبه تلك التي استهدفت رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، ليتضح لاحقا أن ما حصل كان انفجارا هائلا أشبه بدمار قنبلة هيروشيما، أحال المرفأ إلى ركام، ودمر أحياء بكاملها في وسط العاصمة بيروت، ووصلت مفاعيله وأصداؤه إلى كل لبنان، جنوبا وشمالا، وحتى إلى جزيرة قبرص. 

يرفض حزب الله، في كل الأحوال، أن يخرج من الحكومة، كما يرفض، هو وحليفه عون، فكرة الانتخابات المبكرة

وقرّرت السلطة أن تحصر التحقيق في إطاره الداخلي والمحلي، لكي تتحكّم مسبقا بمساره ونتائجه من أجل إبعاد الشبهات عن مسؤولين كبار، كما أظهر تقرير أعدّه جهاز أمن الدولة، ورفعه إلى رئيسي الجمهورية والحكومة، يحذّر فيه من خطر كارثةٍ يمكن أن تنتج عن تخزين أطنان من الأمونيوم في إحدى عنابر المرفأ منذ ست سنوات؟ لماذا؟ وماذا عن إسرائيل؟ وتأكيدا لهذه الشكوك، تم على جناح السرعة توقيف مدير عام المرفأ ومدير الجمارك على ذمة التحقيق، ومعهما خمسة عشر موظفا. وفجأة، وقبل أن يعلن استقالته، دعا رئيس الحكومة إلى جلسة للحكومة، تم خلالها على وجه السرعة إحالة الانفجار - الجريمة إلى المجلس العدلي مقدمةً لتضييع التحقيق وتجهيل الفاعل، كما حصل في جريمة اغتيال الحريري عام 2005، فهل تخفي سلطة الثنائي نصر الله - عون أمرا ما؟ عدم ثقة الشارع المنتفض مجدّدا، وعديد من القوى السياسية المعارضة، بالسلطة وبالأجهزة القضائية والأمنية، المخترقة في معظمها من حزب الله، دفعها إلى المطالبة بتحقيق دولي، وخصوصا أن أجانب أوروبيين بين الضحايا، إلا أن رئيس الجمهورية وحزب الله سارعا إلى رفض التحقيق الدولي الذي اعتبره عون "مضيعة للوقت"!

قرّرت السلطة أن تحصر التحقيق في إطاره الداخلي والمحلي، لكي تتحكّم مسبقا بمساره ونتائجه من أجل إبعاد الشبهات عن مسؤولين كبار

ما يثير الشك والريبة أن التحقيق يدور حول من وافق على إدخال شحنة الموت المقدرة بـ2750 طناً إلى المرفأ، وغطّى بقاءها فيه ست سنوات، ومن أهمل القيام بوظيفته أو بالمهمة التي أوكلت إليه. ولا يمكن أن يكون هذا من فعل موظفين مهما علا شأنهم، إذا لم يكن هناك مسؤولون كبار وسياسيون يغطّونهم، ولهم مصلحة في ذلك، والأهم لصالح من تم تخزين هذه المادة القابلة للاشتعال، وفي أي وجهة استعملت، وهل استعملت فقط في داخل لبنان أو أيضا في دول مجاورة، مثل سورية والعراق؟ وهل حصل الانفجار نتيجة اعتداء خارجي؟ كل هذه الأسئلة والتساؤلات لم تقاربها لجنة التحقيق، إذ إن وقائع ومعلومات وإفادات شهود عيان كثيرة تؤكد أن الطيران الإسرائيلي كان يحلق لحظة وقوع الانفجار في الأجواء فوق المرفأ. ومن الدخان الكثيف، تصاعدت شهب النار بلونها البرتقالي الغامق والمائل إلى الاحمرار، ما يؤكد أن الانفجار ناتج عن صاروخ، بحسب خبراء عسكريين غربيين، أرادت إسرائيل به تدمير مخزن أسلحة وذخيرة تابع لحزب الله في المرفأ، ما أدّى إلى امتداد النيران إلى مادة نترات الأمونيوم وأشعلتها، أي أن اشتعالها هو نتيجة وليس السبب. وهذا ما دأبت إسرائيل على فعله منذ أكثر من سنة ضد مواقع إيرانية وقوافل نقل أسلحة إلى حزب الله في سورية، وأخيرا ضد منشآت إيرانية في إيران نفسها، غير أنه كان هناك اتفاق ضمني بين إسرائيل وحزب الله بعدم تعريض لبنان لأي مواجهةٍ بين الطرفين، طالما أن حزب الله يمسك بزمام القرار الداخلي، وبات لبنان حصنا منيعا له، كما أن وضعه الاقتصادي والمالي المنهار لا يتحمّل أي مغامرة عسكرية. وقبل ثلاثة أسابيع، أغارت إسرائيل على مواقع لمليشيات إيرانية في جنوب دمشق، أدت إلى مقتل عدد من المقاتلين، بينهم مسؤول في حزب الله. عندها قرّر أمين عام الحزب، حسن نصر الله، إنه سيرد على مقتله من لبنان. وكانت عملية التسلل الفاشلة عبر الحدود اللبنانية، وإعلان رئيس حكمة إسرائيل، نتنياهو، ترك المجموعة تعود أدراجها، فيما تنصّل حزب الله من العملية. وبعدها بأسبوع، تسللت مجموعة أخرى من القنيطرة السورية، وزرعت لغما داخل أراضي الجولان المحتل فلم تسلم. واعتبرت إسرائيل الأمر استفزازا، وأعلن وزير الدفاع، بيني غانتس، أن الرد سيكون في تدمير البنى التحتية في لبنان، وهذا ما حصل! لذلك لم يتهم نصر الله، كالعادة، إسرائيل، ولم يأت حتى على ذكرها عند تناوله الانفجار. وكذلك فعل عون، إذ إن أي اعتراف، أو حتى أخذ هذا الاحتمال بعين الاعتبار، يعني أن لبنان يقر إذاً بوجود مخزن صواريخ وأسلحة لحزب الله في المرفأ، كما أن نصر الله يصبح مضطرا للرد، كما تعهد هو، إلا أن الرد اليوم هو قرار إيراني بامتياز، وليس بيد نصر الله، وإيران غير مستعدة لفتح جبهة جديدة رابعة بعد السورية والعراقية واليمنية قبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي ظل عقوبات خانقة، فهي تفضل الانتظار وتقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة، معللة النفس بسقوط ترامب، أما في حال تمكّن الأخير من تجديد الولاية فلكل حادث حديث. 

لصالح من تم تخزين المادة القابلة للاشتعال في مرفأ بيروت، وفي أي وجهة استعملت، وهل استعملت فقط في داخل لبنان أو أيضا في دول مجاورة؟

الفرضية الثانية التي يجب أخذها بالاعتبار أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في جريمة اغتيال رفيق الحريري ستعلن حكمها الرسمي والنهائي المنتظر في 18 أغسطس/ آب الحالي، والذي أصبح معروفا أنه سيتهم أربعة عناصر من حزب الله. واتهام هؤلاء بقتل رئيس الحكومة السابق من محكمة دولية أنشأها مجلس الأمن عام 2007، وتشارك في تمويلها دول كبرى، يعني أن حزب الله سيصبح إرهابيا، داخليا وفي الخارج، فكيف للقوى السياسية اللبنانية أن تشارك بعدها معه أو تشركه في الحكومة أو تتعامل معه، ناهيك بالعزلة الدولية التي ستطبق عليه. وهنا يتوقف كثيرون أمام مصادفة أن الانفجار حصل قبل إعلان الحكم بثلاثة أيام (قبل إرجائه)؟! والنتيجة أن اللبنانيين اليوم بعد الكارثة غارقون في أحزانهم، وفي بلسمة جراحهم، وفي مواساة أهلهم وأقاربهم وأصدقائهم، وفي معالجة أضرارهم وإعادة دورة حياتهم قبل التفكير أو إعطاء الاهتمام للمحكمة، أو لأي حدث آخر، مهما عظم شأنه، مثل تحقيق العدالة! 

هل يزداد اللغز لغزا، وتزداد أزمة لبنان تعقيدا بعد هذه الكارثة بطعم جريمة ضد الإنسانية؟

ومن هنا تبدأ حكاية جديدة أكثر تعقيدا وخطورة، تبدأ من زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى بيروت غداة وقوع الإنفجار واندفاعته باتجاه تشكيل "حكومة وحدة وطنية" برئاسة سعد الحريري، مرورا باستقالة حكومة الدمى التي ترأسها حسّان دياب الذي أبهره كرسي السراي الحكومي، إلى لعبة عض الأصابع بين الشارع الذي يرفض عودة سعد الحريري إلى السراي، كونه من الطقم السياسي الفاسد الذي دفع البلد إلى حافة الانهيار، وحزب الله (ورئيسي الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري) الذي يفضل عودة الحريري، لأنه اختبره وشاركه في السلطة، ولأنه يشكل له غطاء سنيا في مواجهة مضاعفات الشارع عند صدور قرار المحكمة. ولكن هل سيكون الحريري مستعدّا، بعد صدور الحكم، للجلوس مع ممثلي الحزب الذي قتل والده، أم أنه يتجه إلى تشكيل حكومة لا تضم حزب الله؟ وهل يقبل رئيس الجمهورية أن يبقى صهره رئيس التيار العوني، جبران باسيل، خارج الحكومة؟ في المقابل، الحل الأنجع هو تشكيل حكومة محايدة لقيادة مرحلة انتقالية ترأسها شخصية من خارج الطبقة السياسية، مثل سفير لبنان السابق في الأمم المتحدة والعضو في محكمة العدل الدولية في لاهاي، نواف سلام، وتضم رجال قانون وقضاة وشخصيات مستقلة مشهود لها بكفاءتها ونزاهتها، كي تعكف فورا على وضع قانون انتخابي جديد، وتحضر لإجراء انتخابات نيابيةٍ مبكرّة. ولكن هذا الاقتراح يلقى معارضة شديدة من حزب الله الذي يتوجس من سلام ويعتبره "أميركي الهوى"، ويرفض، في كل الأحوال، أن يخرج من الحكومة، كما يرفض، هو وحليفه عون، فكرة الانتخابات المبكرة. 

هل يزداد اللغز لغزا، وتزداد أزمة لبنان تعقيدا بعد هذه الكارثة بطعم جريمة ضد الإنسانية؟ المعضلة هي في السلاح خارج سلطة الدولة، والرئيس الفرنسي ماكرون يريد التوفيق بين سلطة الدولة والإصلاحات ومحاربة الفساد وسلاح حزب الله؟! فهل يزيد هذا الزلزال من إحكام حزب الله قبضته على السلطة؟