هل يستيقظ النائمون؟

01 أكتوبر 2019
الصورة
الملايين تظاهروا احتجاجاً على عدم الاهتمام بالتغير المناخي (Getty)

في العشرين من سبتمبر/ أيلول المنتهي، وتزامناً مع الاحتجاجات التي اندلعت، للمرة الأولى منذ سنوات، في بعض المدن المصرية، استجابةً لدعوة الفنان المقاول محمد علي، خرج طلاب المدارس وموظفو الشركات الحكومية والخاصة في 185 دولة حول العالم، للضغط على الحكومات والمشرعين وأصحاب الأعمال، من أجل إيجاد حلول لمشكلات الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية! 

وفيما اعتبر أكبر تظاهرة تتعلق بالمناخ في التاريخ، استجاب الملايين حول العالم لدعوة الطالبة السويدية غريتا ثانبرغ، ذات الستة عشر عاماً، للتظاهر، ووافق الآلاف من الآباء على الخروج مع أبنائهم للضغط على الحكومات، من أجل إيجاد حلول عملية لمشكلة، يدرك الجميع أنها على وشك الانفجار.

وبعد أن عرفت الإضرابات طريقها إلى المدارس والكليات العام الماضي، احتجاجاً على تقاعس الحكومات في التعامل مع التغيرات المناخية، شاركت اتحادات العمال، التي تمثل مئات الملايين من العاملين حول العالم، في مظاهرات الأسبوع قبل الماضي، فخرج مع الطلابِ الأطباءُ والممرضات، وموظفو الشركات الكبيرة والصغيرة، وفنانون وأدباء ورياضيون، من أجل توصيل رسالتهم الغاضبة.

ورغم توحد الجميع حول رسالة أساسية، وهي "الإصرار على إحداث تغيير عاجل في السعي لخفض الانبعاثات الحرارية وتحقيق الاستقرار المناخي"، إلا أن بعض الأصوات ركزت على أهداف محددة، مثل ارتفاع مستويات سطح البحر في جزر سولومان، والنفايات السامة في جنوب أفريقيا، وتلوث الهواء ونفايات البلاستيك في الهند وتوسع صناعة الفحم في أستراليا.

التظاهرات التي بدأت يوم الجمعة قبل الماضي، استمرت طوال الأسبوع، واستمرت أعدادها في التزايد، مع انضمام الآلاف ممن لم يخططوا للمشاركة من قبل، وكان شيئاً رائعاً أن نرى الوعي لدى آلاف المراهقين، وهم يتصدرون المسيرات في كل مكان.

ورغم انزعاج جماعات الضغط المضادة، أكد المشاركون أنهم "مستمرون في القتال دفاعاً عن قضيتهم، حتى يتوقف السياسيون عن تجاهل العلم، وتكون شركات الوقود الأحفوري مسؤولة عن جرائمها ضد مستقبلهم، كما كان ينبغي أن يحدث قبل عقود". 

انتشرت الاحتجاجات في بلدان تتميز بالوعي الشديد تجاه قضايا المناخ، كما في بلدان لم تعرف شعوبها شيئاً عنها إلا الأسبوع قبل الماضي. انتشرت أيضاً في بلدان تسمح بالاحتجاجات السلمية وبلدان لا تطيق السلطات فيها سماع همسات مواطنيها.

خرجت شعوب الدول الغنية والفقيرة، القوية والضعيفة، اللاعبة والمنعزلة. خرج مواطنو الولايات المتحدة وكندا وايطاليا وأسبانيا ونيوزيلانده وأستراليا كما مواطنو غانا والفيليبين وإندونيسيا وكوريا وتايوان، وكثيرً غيرهم.

وفي روسيا، التي نادراً ما توافق حكومتها على منح تصريحات لتنظيم تلك الاحتجاجات، اتفق المواطنون على الوقوف في طابور، يحمل أول شخص فيه لافتة، مكتوبا عليها احتجاجه، لمدة خمس دقائق، قبل أن يمررها لمن يليه، حتى لا تكون التظاهرة جماعية، وتبدو وكأنها مطالب يرفعها شخص واحد في كل وقت.

ورغم الاحتفاء الجماعي بالظاهرة، غابت دولنا العربية، عن المشاركة، إلا فيما ندر. وفي مصر، لم يكن هناك أي وجود، ولم يخرج شخص واحد للمشاركة، رغم ما يلحظه الجميع من تغيرات حرارية، وتلوث بيئي، وانتشار للمصانع المسببة لتلك المظاهر، بالقرب من التجمعات السكنية في العديد من المحافظات، ودون وجود حقيقي لأي أدوات وقاية للبشر أو حماية للمناخ. 

لم يخرج الناس في مصر بسبب عاملين أساسيين، أولهما انصراف الأغلبية الكاسحة عن تلك الأهداف "الكمالية"، بحثاً عن المطالب الأساسية، من لقمة عيش وفرصة عمل، وربما الحد الأدنى من التعليم والعلاج للأبناء.

ومن ناحية أخرى، فقد بات واضحاً للجميع أن السلطات المصرية تمنع التجمع أو التظاهر، إلا لمن خرج تأييداً لها. حتى الحيلة الروسية لم تكن لتفلح في الشوارع المصرية، بعد أن ألقى النظام الحالي القبض على محتج، وقف وحده في ميدان التحرير قبل فترة، رافعاً لافتة مكتوب عليها كلمتين، فألقي به في السجن لشهور.

شهدت السنوات الأخيرة تراجع أهمية العديد من القضايا التي يعتبرها العالم كله محورية، بينما أصبحت في مصر هامشية، رغم أن أغلبها يدور عادة حول الإنسان وصحته وفكره. سيطر التلوث البيئي والسمعي والبصري على حياة الملايين في مصر، ولم يتحرك أحد لأن الجميع مشغولون باللهاث وراء لقمة العيش أو العيش نفسه.

لا ألوم المصريين في ما لحق بهم من تبدل أحوال وتخلف عن اللحاق بركب الحضارة. فكيف أطلب منهم أن يتظاهروا احتجاجاً على التغير المناخي، بينما هم لا يستطيعون الاحتجاج على تغير أحوالهم المعيشية وتراجع مناخ الحريات، وكيف يمكنهم رفض الاحتباس الحراري، ولا تكاد تخلو عائلة من محبوسٍ عبر عن رأيه أو فكر في سلوك الطريق الشرعي للترشح لانتخابات رئاسية أو برلمانية.

كيف يمكننا أن نطمع لأطفالنا في حياة صحية سليمة، وتطور ذهني، كما هو الحال مع ملايين الأطفال والشباب حول العالم، في وقتٍ لا تمتلك فيه ملايين الأسر المال الذي يمكنهم من الحصول على تعليم قوي، وعلاج صحيح، ومسكن ملائم، وحكومتنا ساهرة على الهدوء، كي لا يستيقظ النائمون، ولا تتواني عن تكميم أفواه كل من ينطق من "مقلقي النوم العام"!

تخلفنا عن كل القضايا الهامة في العالم المحيط بنا، ولم نجد أنفسنا في أية إنجازات تخص، لا المناخ والبيئة وحدهما، ولكن أيضاً الإنجازات العلمية والابتكارات وكل الخطوات العملاقة التي تخطوها البشرية، ولا نكاد نلحظها، إلا من رحم الله من المصريين، وهم لا يتجاوزون نسبا لا تصل للواحد في المائة من الشعب.

أسوأ ما في الظرف الراهن في حياة المصريين هو أن مرور الأيام لا يتوقف عن تأكيد حقيقة أننا مازلنا نحفر وننزل إلى مستوياتٍ أعمق، وكلما شعرنا لوهلة أننا بدأنا الخروج من "الحفرة"، نعود لنكتشف أننا مازلنا نسير بأقصى سرعة، ولكن إلى أسفل.

ولا يعني ذلك إلا أن طريقنا سيكون شاقاً وطويلاً جداً، وأنه لن يبدأ قبل أن ندير عجلة القيادة، ونبدأ في السير في الاتجاه الصحيح.