هل يستبدل الصومال حركة الشباب بداعش؟

04 ديسمبر 2017
الصورة
+ الخط -
عقد ونيف والصومال في صراع مرير مع جماعات مسلحة راديكالية، من دون أن تنجح جهوده في احتواء ظاهرة السلاح المصوّب والموجّه نحوه. برزت جماعات إلى السطح قوة لها النصيب الأكبر في المشهد الأمني، وخصوصا بعد التوغل الاثيوبي في البلاد عام 2006، لم تكن ثمة رؤية مشتركة للجماعات المسلحة المقاومة للمحتل الإثيوبي، في سبيل تحرير الأرض والعباد، فتفرّع منها عشرات من الجماعات المسلحة بتوجه فكري جهادي. وبعد خروج القوات الإثيوبية، فاض الكأس بشرارة توجه راديكالي مسلح آخر، بات قوة عسكرية ضخمة استولى على أقاليم ومدن في جنوب البلاد، ذلك هو "حركة الشباب المعارضة".
مرت الحركة بمراحل مختلفة من الصفر إلى مرحلة الصعود، ومن ثم إلى تراجع وتقهقر في قوتها العسكرية ونطاق جغرافيتها، بعد حملة عسكرية حكومية وأفريقية، قضت على 50% من مناطق نفوذها، وخصوصا المدن الساحلية والزراعية التي كانت تمثل مصدر دخل يوفر للحركة عوائد اقتصادية ومالية لإدارة شؤونها العسكرية.
اليوم، حركة الشباب في وضع لا يحسد عليه؛ إذ بدأت الانشقاقات تنخر عظامها، وتفتت جسدها، فاستسلام القيادي الميداني، أبو منصور روبو، للحكومة الصومالية، شكل نقطة تحول في الفكر الجهادي الذي تبنته الحركة، فالرجل الذي يوصف بأنه العقل المدبر للجماعة منذ نشأتها يختلف معها اليوم، وفي قضايا ايديولوجية كثيرة، ما يعزّز فرضية الانتحار الداخلي للجماعة التي فرضت نفسها على المشهد الصومالي جماعة ما زالت تملك أوراقاً للتفاوض مع الحكومة الصومالية، إذا رأت إلى ذلك سبيلاً.

لا يصدم مشهد حركة الشباب المعتاد عليه في الشارع الصومالي أكثر من بروز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وما يمثله من صدمة قوية في البلاد، فالتنظيم الذي ارتبطت صورته بأعمال وحشية ترك انطباعاً سائداً وصورة نمطية في ذهنية المواطن الصومالي، المثقل بأوجاع حرب أهلية، وتدهور اقتصادي يرفع سقف البطالة إلى 70%.
وقد بعث إعلان الأمم المتحدة عن وجود أفراد من تنظيم داعش في شمال شرقي البلاد، وتحول تلك المناطق إلى بؤر مفترضة للتنظيم مستقبلاً، رسائل قلق وخوف للمجتمع الصومالي، بالإضافة إلى مدى خطورة التنظيم على مستقبل أمن الدول الإقليمية، وخصوصا كينيا وإثيوبيا، بحكم علاقتهما المباشرة بأحداث الصومال، الأمنية والسياسية، من خلال وجود آلاف من جنود البلدين في الصومال.
ثمّة من يشكك في قدرة تنظيم داعش في توجيه ضربات عسكرية على الدول المجاورة والأقاليم الفيدرالية في البلاد، وخصوصا إدارة بونتلاند، نتيجة ضعف البنية العسكرية للتنظيم حالياً، وانحساره الشديد في مناطق معزولة جغرافياً، وصعوبة التحرّك في تلك المناطق، بسبب الوجود العسكري الكثيف للقوات الأمنية، بالقرب من مناطق انتشار أفراد التنظيم، إلى جانب الضربات العسكرية الأميركية عبر بوارجها في المياه الإقليمية، وهي أسبابٌ تجعل من التنظيم في خفاء وبين شعاب الجبال.
يرى مراقبون كثيرون أن توجيه ضربتين جويتين للتنظيم غير كافيتين، ويحتاج الأمر إلى اجتياح بري للقضاء على تنظيم مفترض للمنطقة، ربما سيمثل تهديداً للأمنين، الإقليمي والصومالي، ويكون بديلاً محتملاً للجماعات المسلحة المعارضة للحكومة الفيدرالية.
السؤال المشروع هنا: هل سيستبدل الصومال حركة الشباب بتنظيم داعش؟ وذلك بعد عقد خاضت الحركة حروباً كسبت فيها ميدانياً أحياناً وتراجعت في أحيان كثيرة، وسُفكت الدماء خلالها لأتفه الأسباب، وليس منها إعلاء دين في وطن يدين مجتمعه بالإسلام، لكن الخطر المقبل هو أن يتحول أفراد "الشباب المجاهدين" إلى تنظيم داعش مستقبلاً، فالحركات الإسلامية في القرن الأفريقي تتصف بسمة الانشقاق الداخلي، على الرغم من أن حركة الشباب تماسكت داخلياً على مدى عقدين.

ضاعت سنوات كثيرة من الصومال بين أتون حرب مريرة مع أمراء الحرب والمليشيات القبلية المسلحة، وبين جماعات راديكالية مسلحة، إلى جانب نزاعات سياسية مع الولايات الفيدرالية المنضوية تحت الحكومة الفيدرالية، والتي لا تسمح لها أن ترتاح من نار حركة الشباب، وذلك ما يطيل أمد الصراع السياسي والأمني في القرن الأفريقي.
وقد كان لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في العاصمة مقديشو أصداؤها في الصومال، وهي خطوة لاقت ترحيباً واسعاً من فئات المجتمع، على الرغم من معارضة قوية تواجهها القاعدة التركية، وخصوصا من الدول الإقليمية، وبعضاً من دول الخليج، وهي دول ترى في افتتاح هذه القاعدة مداً عثمانياً في القرن الأفريقي، وينافسها في عمقها الاستراتيجي العربي، من دون إمعان النظر مدى أهمية هذه القاعدة التركية بالنسبة للصومال، في تنظيم مؤسسة الجيش الصومالي المنهارة وترتيبها قبل عقدين.
أياً كانت التوازنات العسكرية والتغيرات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، فإن مستقبل الصومال والدول المحيطة به مرهون بمدى التعاون الأمني الاستراتيجي بينها في سبيل مكافحة الجماعات المسلحة التي أشهرت سيف الحرب عليها منذ عقود، على الرغم من المصالح المتقاطعة بين الدول (الصومال إثيوبيا كينيا) وسعي الجارتين إلى الصومال في إجهاض أي محاولة أو جهود دولية وعربية لبناء دولة صومالية حديثة، لكن ما لا يختلف عليه اثنان أن تتوحد الأهداف بين تلك الدول، لفرض أمن واستقرار في المنطقة، وأن يتوقف التآمر الإقليمي على الصومال، التي لا تزال تدافع سياسات التقسيم الغربي منذ اتفاقية برلين عام 1884، ليس حباً للصومال، بل سعياً إلى الحفاظ على أمنهم واستقرارهم، قبل أن تسقط أمن المنطقة في حرب إقليمية تأكل الأخضر واليابس.