هل يرفع الأكراد الشرعية عن حكومة بغداد؟

هل يرفع الأكراد الشرعية عن حكومة بغداد؟

06 مارس 2018
الصورة
+ الخط -
أقر البرلمان العراقي، في جلسته السبت الماضي، الموازنة العامة للعام 2018، والتي بلغت نحو 88 مليار دولار، في غياب النواب الأكراد، في سابقة خطيرة في مسيرة مجلس النواب العراقي، وأيضاً العملية السياسية منذ العام 2003، فهي المرة الأولى التي تقر الموازنة العامة في غياب أحد مكونات الشعب العراقي الثلاثة، بعد الاحتلال الأميركي.
لم يشارك النواب الأكراد في جلسة التصويت على الموازنة، لأن ما تم تخصيصه للإقليم الكردي لم يتعد 12,6%، بعدما كان خلال السنوات الماضية 17%، وهي النسبة التي اعتبر النواب الأكراد أنها لا تلبي متطلبات الإقليم، ما دعا النائبة عن إقليم كردستان العراق، أشواق الجاف، إلى دعوة القادة الكرد في الإقليم إلى الانسحاب من العملية السياسية برمتها، كما طالب النائب سيروان سيريني، رئيس الجمهورية الكردي فؤاد معصوم، والقيادات السياسية في إقليم كردستان العراق، إلى مقاطعة الانتخابات المقبلة والعملية السياسية برمتها، بل الأكثر من ذلك أن النائب سيروان دعا إلى عقد مؤتمر دولي في الإقليم، تحت رعاية الأمم المتحدة وأميركا والمجتمع الدولي، لإيجاد نموذج آخر للحكم في العراق.

تفتح هذه التداعيات باب التساؤل، بشأن ما إذا كان يمكن للقيادات السياسية العراقية الكردية فعلاً أن تقدم على الانسحاب من العملية السياسية في العراق، وبالتالي رفع الشرعية عن حكومة بغداد، خصوصاً أن هذه العملية برمتها باتت اليوم معرّضة، أكثر من أي وقت مضى، لمتغيرات كبيرة وكثيرة، لعل من أبرزها التناحر والاختلاف الكبير بين أبرز شركاء العملية السياسية، منذ ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، أي الأحزاب الشيعية والكردية.
التحالف الذي كان يوصف بأنه استراتيجي، بين الأكراد والشيعة، عصفت به رياح التغيير والمصالح وما عاد له وجود، ليس الآن، وإنما منذ بدأ رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، حربه ضد الأكراد، وهي الحرب التي تكللت أخيراً بما أقدم عليه رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، من قطع كل خطوط التواصل بين الإقليم والعالم، بعد أن حظر الطيران الدولي إلى مطاري أربيل والسيلمانية، ناهيك عن إجراءاتٍ ماليةٍ وسياسيةٍ وعسكريةٍ كثيرة، اتخذتها بغداد في أعقاب إجراء الأكراد الاستفتاء على الاستقلال في سبتمبر/ أيلول الماضي.
سابقاً كان الخلاف في العراق سنياً شيعياً، غذّته إيران وأطراف أخرى بدعم الطرفين، وهو خلافٌ سالت فيه دماء عراقية بريئة كثيرة، لكنه لم يترجم سياسياً، فلم ينسحب العرب السنة من العملية السياسية، ولم يتمكنوا من رفع غطاء الشرعية التي منحوها لحكوماتٍ طالما اتهموها بأنها طائفية وإقصائية، وإنها استهدفتهم باعتبارهم مكوناً عراقياً أصيلاً، ونفذت الخطة تلو الخطة لتغيير ديمغرافي واسع في العراق. ولعل مرد ذلك أن الاختلاف الكبير داخل البيت السني الذي فشل في إيجاد أرضية مشتركة له عقب الغزو الأميركي، فما بين مقاوم ورافض للعملية السياسية برمتها، إلى مهادن، إلى فريق آخر قبل بالعملية السياسية على علاتها، مستفيداً بما تمنحه له من امتيازات ومصالح، فشل العرب السنة في أن يكونوا فريقاً سياسياً منسجماً.
يريد الأكراد اليوم، وبسبب ما يشعرون به من غبن وحيف وقع عليهم من حكومة بغداد، على ما يبدو، أن يجرّبوا حظهم في رفع الغطاء عن هذه العملية السياسية، من خلال الدعوة إلى المقاطعة السياسية ومقاطعة الانتخابات، إلا أن المشكلة التي يبدو أن الأكراد وقعوا فيها، أنهم يسيرون على خطى العرب السنة، فلقد أثبتت الأحداث في إقليم كردستان العراق، منذ الاستفتاء في سبتمبر/ أيلول الماضي، أن الأكراد أيضاً ليسوا على قلب رجل واحد.
منذ سبعينات القرن المنصرم، كانت اليد الإيرانية فاعلة ومؤثرة في الإقليم الكردي، بل كان الرئيس العراقي الراحل، جلال الطالباني، زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بنظر حكومة بغداد قبل العام 2003، عميلاً إيرانياً، فحتى عندما أصدر الرئيس العراقي الراحل
صدام حسين عفواً عن المعارضين السياسيين في تسعينات القرن الماضي، استثنى منه جلال الطالباني.
ومن تابع ما جرى في كركوك، بعد استفتاء الأكراد في سبتمبر/ أيلول الماضي، وكيف أن الوحدات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الكردستاني تخلت عن مواقعها، وانسحبت أمام تقدم القوات العراقية، يدرك أنه كان لإيران الكلمة الفصل في تشتيت الأكراد وضياع وحدتهم القومية.
يريد رئيس الحكومة، حيدر العبادي، المحتفي بنصره على "داعش" أن يصبح الرجل القوي في العراق الجديد، متناسياً أن طموحه وطموح من يدعمه يجب أن يكون لهما حدود ضمن التفاهمات الدولية الكبرى. وبالتالي، فإن استمرار الضغط على أكراد العراق قد لا يكون مناسباً لمن يبحث عن تحقيق الاستقرار في العراق، فالأكراد، وعلى الرغم من تشتتهم الداخلي، يحظون بقبول دولي كبير، لا يخوّل العبادي الاستمرار معهم في لعبة عض الأصابع.
لا يعدو تهديد الأكراد بالانسحاب من العملية السياسية أن يكون محاولة أخيرة للضغط على بغداد، فليس لدى أربيل أي أوراق ضغط في ظل الدعم الكبير الذي حصل عليه العبادي في إجراءاته ضد الإقليم الكردي، منذ الاستفتاء. وبالتالي، فإن العملية السياسية العرجاء في العراق ماضية، على الرغم مما جرّته للبلاد من ويلات، وما أسهمت فيه من خراب، لم يقتصر على العراق وحسب، وإنما على الإقليم برمته.