هل وصل النيل الأحمر إلى المغرب؟

26 فبراير 2018
الصورة
+ الخط -

قبل أسبوعين فقط، قضت المحكمة الابتدائية في الدار البيضاء، ضد مدير نشر صحيفة أخبار اليوم، المغربية، توفيق بوعشرين، بغرامة مالية ضخمة قدرها 45 مليون سنتيم مغربي (45 ألف دولار)، لصالح كل من وزير الفلاحة والصيد البحري عزيز أخنوش، وزميله في الحكومة السابقة وزير الاقتصاد والمالية، محمد بوسعيد، وثلاثة ملايين سنتيم (ثلاثة آلاف دولار) لصالح المحكمة.

لم ينكسر قلم بوعشرين، وواصل كتاباته البديعة دفاعاً عن كل ما يراه صواباً، وفضحاً لكل ما يراه فساداً وقبحاً، فامتدت الأيادي السوداء بعد أيام معدودات، تحاول اغتياله معنوياً، ليصحو مجتمع الصحافة في المغرب، والوطن العربي، على نبأ تحرك فرقة من قوات الأمن لمداهمة الصحيفة التي أنشأها وترأس تحريرها، لاعتقاله واقتياده إلى مكان مجهول، ثم يصدر فيما بعد بيان من النيابة، يفيد بأن اعتقاله إنما تم بناء على شكايات، ثم احتاجت النيابة 24 ساعة أخرى، لتصدر بياناً جديداً يقول إن الشكايات جنسية، الأمر الذي أثار أسى الأوساط البرلمانية والسياسية والصحافية في المغرب وسخريتها، وبان أن القضية كلها تصفية حسابات، وإمعان في التنكيل من النافذين في السلطة ضد كاتب صحافي، عرفه الجميع منحازاً لتيار التغيير الديمقراطي، ضد رياح الفساد والاستبداد بامتداد الخريطة العربية.

فور صدور الحكم بتغريمه، قال توفيق بوعشرين، على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "مبروك السي عزيز أخنوش، مبروك لتابعه بوسعيد، ربحتما هذا الصباح 45 مليون سنتيم بمقتضى حكم قضائي ضد "أخبار اليوم" بتهمة نشر خبر تحويل الأمر بالصرف في المادة 30 من قانون المالية لسنة 2016 من يد رئيس الحكومة إلى يد وزير الفلاحة دون علم الأول، في أزمة دخلت إلى تاريخ المناورات السياسية في المغرب". وتابع بوعشرين: "لكن أنا متضامن معكما، لأن مطلبكما الأول للقضاء كان مليار سنتيم (10 ملايين دولار) كتعويض على تعليق على خبر صحيح". وزاد: "عندما يحرّر القاضي الحكم سننشره للعموم، لنكتشف أين هي التهمة، لكن من الآن نقول إن الصحافة ليست جريمة وأخنوش ليس مقدسا، وجمع المال مع السلطة فيه مفسدة كبرى، والكلمة الأخيرة للرأي العام والتاريخ".

يلفت النظر أن الحملة على بوعشرين، وصحيفته الشابة، تأتي متزامنة مع الذكرى الثامنة لانتفاضة التغيير التي هزت المغرب في العشرين من فبراير/شباط 2011، وهي الانتفاضة التي مهدت الأرض أمام هبات الربيع العربي لاحقاً في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية والبحرين، وكان بوعشرين حاضراً في كل هذا الحراك، وكانت صحيفته من المنصات المحملة بنبضات حلم التغيير، ومئذنة للربيع.

صبيحة مذبحة رابعة العدوية، صودر مقالي"تسلم الأيادي" في مصر، فظننت أن لا مكان له إلا على صفحتي المتواضعة على"فيسبوك"، ليأتيني اتصال منزعج من بوعشرين باتصال مستفسراً عما جرى، ثم يفاجئني في اليوم التالي بأن الصفحة الأولى من صحيفته "أخبار اليوم" تضع مقالتي مكان افتتاحية رئيس التحرير.

ثم يكتب توفيق فيما بعد تحت عنوان"النيل الأحمر" "الآن فقط بدأت خارطة الطريق الحقيقية التي بشر بها عبد الفتاح السيسي يوم انقلابه على الرئيس المنتخب. إنها خارطة الدم للاستيلاء على السلطة، وإرجاع مصر إلى كنف الديكتاتورية العسكرية، بإخراج سياسي ليبرالي وعلماني، وتغطية إعلامية سوداء، ودعم خليجي خائف من انتشار بقعة الزيت إلى عقر دار إمارات النفط، وتأييد أمريكي خائف على أمن إسرائيل القومي".

الراجح أن إسرائيل والمال الخليجي حاضران في أحدث عمليات اغتيال بوعشرين، إذ يشير الباحث القانوني وأحد مؤسسي منظمة التجديد الطلابي، رشيد فلولي، إلى ملاحظة جديرة بالتوقف في موضوع اصطياد بوعشرين، فيقول" قبل أيام، نشرت أخبار اليوم في عمود سري للغاية خبراً عن إحدى الجهات تترأس ما تسمى جمعية الصداقة المغربية الإسرائيلية، ورئيس هذه الجمعية نشر يوم الأربعاء ليلاً تدوينة يهدد فيها ويذكر بوعشرين بالاسم، وجريدته، ويكيل لهما عدداً من التهم".

وكما يقول أحد الأصدقاء من الإعلاميين المغربيين، فإن ما يجري مع توفيق بوعشرين يبدد أوهام الذين كانوا يعتقدون أن المغرب يشكل حالة الاستثناء في الوطن العربي، إذ تشتعل السخرية في الأوساط المغربية الآن من هذه الملامح السيسية التي تظهر على وجه العدالة هناك.

هل يصل"النيل الأحمر" بتعبير توفيق بوعشرين إلى المغرب؟

الأيام ستجيب.