هل نحن على أعتاب شرق أوسط جديد؟

14 فبراير 2016
الصورة
(برلين: دار شوركامب، 2015)
في بدايات القرن العشرين لم يكن من الممكن تصور هذه النهاية الصعبة للجغرافيا السياسية للمنطقة العربية. صدام حسين والقذافي أصبحا من الماضي، كما أن الحرب على تنظيم "داعش" استطاعت تقريب المسافات بين إيران والولايات المتحدة، في حين أن سورية والعراق كوحدات سياسية وكدول مستقلة سيختفون من على الخريطة. باختصار يمكننا أن نقول، إن الشرق الأوسط الذي نعرفه قد انتهى، وبالتالي يتوجب علينا، اليوم، أن نفكر بالمستقبل. بهذه الكلمات يقدم فولكر بيرتس كتابه "نهاية الشرق الأوسط كما نعرفه". وهو الذي تولى، أخيراً، منصب مساعد المبعوث الدولي لسورية، ستيفان دي ميستورا، والباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط.

مرحلة ما بعد سايكس- بيكو
يستعرض الكتاب الخلفية التاريخية التي أسست للواقع السياسي المتداعي، اليوم، في الشرق الأوسط ، ثم يشرح الظروف والبيئة المرافقة للتحولات السياسية الراهنة في المنطقة. حيث أن أربعة أو خمسة أجيال في المنطقة نشأت على كراهية اتفاقية سايكس بيكو واعتبارها أحد رموز الأمبريالية التي بقيت آثارها في المشرق، حتى اليوم، الأمر الذي جعل النضال لإنهاء النظام المترتب على هذه الاتفاقية أمراً محموداً وغاية نبيلة. إلا أنه وبخلاف مرحلة انهيار الدول العثمانية، فإن القوى العظمى اليوم لا تظهر أيّ رغبة في التدخل المباشر لصناعة نظام جديد في الشرق الاوسط، على الرغم من أنها تتدخل من خلال تكتيكات محدودة للدفاع عن مصالحها، ولكن دون أن تتورط في تدخل شامل قد يتطلب منها تصميم نظام سياسي جديد يعيد التوازن السياسي للمنطقة. كما أن الدول الإقليمية والقوى المحلية تبدو فاقدة للمبادرة ولا تملك تصورات ناضجة عن شكل النظام البديل. وفي غياب الاستقرار السياسي في المنطقة سيكون من الصعب تبلور هويات سياسية مستقرة للمكونات العرقية والطائفية والدينية في المنطقة، وبالتالي سيكون التعايش السلمي بين هذه المكونات غير ممكن.

يرى المؤلف أن الثورات العربية هي في أحد أوجهها ثورة جيل حصل على تعليم أفضل وانفتاح أكبر على العالم. وبالتالي فإن المنطقة تمر اليوم في مسار عملية تحول ثقافي واجتماعي عميق. وهذا يعني أن ما نشاهده اليوم من فوضى وأزمات ليس إلا البداية فقط. كما أن الدول التي تبدو اليوم مستقرة وفي منأى عن الأزمات مثل السعودية وإيران فإنها لن تبقى كذلك بعد عشرين سنة من اليوم إن لم تبادر بنفسها في قيادة التحول في البلاد. كما يميل الكاتب للاعتقاد أن الاصطفافات العرقية والأيدولوجية والطائفية في المنطقة هي تابعة للنزاعات والخلافات بين المجموعات الاجتماعية المختلفة، وليست نتيجة صراع الهويات والأيديولوجيات. ويدلل على صحة نظريته أن الشعوب في مصر وتونس على الرغم من انسجامها إثنياً وطائفياً ودينياً وعلى الرغم من امتلاكها هوية متبلورة، منذ مئات السنين، إلا أنها تعاني من انقسامات سياسية حادة. بينما الشعوب في إيران والمغرب على الرغم من أنها منقسمة إثنياً وطائفياً، إلا أنها ما زالت تحافظ على حد أدنى من التفاهم والانسجام. أما في سورية والعراق يجري استخدام الاختلاف في الهوية والدين لتحقيق مكاسب سياسية كما يفعل نظام الأسد أو كما فعل نوري المالكي أو كما يفعل تنظيم داعش اليوم.

تطور أنساق الجغرافيا السياسية
يختص الكتاب بالحديث عن التراجع العسكري الغربي في المنطقة والمرافق في الوقت نفسه لتزايد النشاط الدبلوماسي والسياسي للدول الغربية الهادف للحفاظ على مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط. وهذا يعني أن دول المنطقة اليوم تمتلك هامشاً أكبر من أي وقت مضى للعمل السياسي والدبلوماسي لتحقيق مشاريعها ورؤيتها في المنطقة. الأمر الذي تنبهت له النخبة الحاكمة في إيران، في وقت مبكر، وسعت نتيجة لذلك إلى ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأميركي في العراق أولاً، وفي باقي المنطقة ثانياً. في حين تراجعت مكانة السعودية وتراجع دورها خلال العقد الأخير لصالح إيران وحلفائها في المنطقة.

كذلك يخلص الكتاب إلى أن تنظيم داعش هو مشروع بناء دولة، إلا أنها ستكون دولة تستند إلى العنف في فرض سطوتها، بينما تستمد مشروعيتها في عيون أنصارها من تعريفها الضيق للإسلام ومن رفضها منظومةَ الأمم المتحدة والنظام العالمي، الأمر الذي سيفرض عليها البقاء في حالة حرب وعزلة عن محيطها.

يعتقد الكاتب بصعوبة استمرار سياسة عدم التدخل البناء من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي في أزمات المنطقة. فخروج الصراع عن السيطرة في سورية والعراق سيجبر هذه القوى على التدخل من أجل محاولة وضع أسس لنظام سياسي جديد في المنطقة. كما أن الغموض مازال يلف كيفية تطور العلاقات السعودية الإيرانية، خلال السنوات المقبلة، حيث إن السيناريوهات المتوقعة متضاربة للغاية.

وأخيراً، يوجه بيرتس مجموعة من النصائح والتوصيات لصانع القرار الأوروبي. لعل أهمها هو دعوته الساسة الغربيين للعب دور الوسيط بين إيران والسعودية من أجل بناء الثقة بين البلدين، حيث أن التقارب بين هاتين الدولتين سيخلق الأرضية الضرورية لإعادة الاستقرار للمنطقة. كما أنه يحذر من محاولات اختصار الأزمة في سورية على أنها حرب ضد الإرهاب أو ضد تنظيم الدولة، ويطالب الساسة الغربيين بلعب دور أكبر في دعم عملية الانتقال السياسي في سورية نحو دولة مدنية وديمقراطية.

(كاتب سوري)