هل لدى أميركا إسرائيل أخرى؟

هل لدى أميركا إسرائيل أخرى؟

28 أكتوبر 2014
الصورة

باراك أوباما وبنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (1أكتوبر/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

لا يتفق الإسرائيليون على موقف موحد من الولايات المتحدة، فهم على خصام معها، حين تشذ، ولو قليلاً عن مواقف الإسرائيليين ومصالحهم ورؤيتهم الأنانية وسياساتهم الخبيثة، ودائماً يريدون المزيد من الدعم والإسناد وتلبية سياسات استراتيجية، حتى ولو ناقضت سياسات واشنطن الاستراتيجية. وفي موضوعات الاستيطان واستئناف المفاوضات وإعادة إعمار قطاع غزة، والحكومة الفلسطينية الوفاقية، وسياسات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية والتجارية؛ كان هناك شبه إجماع أميركي – أوروبي، استفز الحكومة الإسرائيلية وبعض مكوناتها اليمينية المتطرفة. وهذا ما يفسر التهجم غير المسبوق على وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، ناسين، أو متناسين، أن محور الهجوم الإسرائيلي هو سياسة الولايات المتحدة الخارجية التي يمثلها كيري، وهو، بالتالي، لا يعبّر عن موقف شخصي، بقدر ما يعبّر، بدرجة أو بمستوى من المستويات، عن موقف رسمي قد يتفق معه البيت الأبيض، أو يفترق، قليلاً، فما يحكم السياسة الأميركية إزاء إسرائيل تلك المعايير والمصالح الاستراتيجية التي يحددها اللوبي المؤيد لإسرائيل والمساند لها؛ بغض النظر عن المواقف الشخصية.    

في هذه الأجواء، جاءت تصريحات الوزير كيري في شأن ما يمكن أن يكون قد أثر فيه شخصياً في أثناء محادثاته في المنطقة، حين قال: "خلال مفاوضاتنا في التحالف ضد الدولة الإسلامية، لم يكن هناك، في الحقيقة، ولا حتى مسؤول واحد في المنطقة، لم يثر معي بشكل عفوي ضرورة التوصل إلى سلام بين إسرائيل والفلسطينيين". وأضاف "على الناس أن يفهموا الرابط. هذا مرتبط نوعاً ما بمشاعر الذل والإنكار وانعدام الكرامة" التي تشعر بها الشعوب العربية.

ولم يفوّت الإسرائيليون لكيري مواقفه الأخيرة هذه، فقد تعرّض، من جديد، إلى هجمات شرسة من مسؤولين إسرائيليين، بسبب ربطه بين استمرار الصراع والتطرف الإسلامي. وقال وزير الاتصالات الليكودي، جلعاد أردان للإذاعة العامة "مع كل احترامي لكيري وجهوده، فإنه يواصل تسجيل أرقام قياسية جديدة عندما يتعلق الأمر بمحاولة فهم منطقتنا ومعنى خلافاتنا، وأعتقد أننا نستحق حقاً هذه المرة رقماً قياسياً جديداً". وتساءل: "هل انعدام الكرامة هذا الذي يؤدي إلى صعود الدولة الإسلامية؟"، مضيفاً "مئتا ألف شخص قتلوا في سورية، وبريطانيون وأميركيون قطعت رؤوسهم، هل يمكن أن يكون ذلك خطأ مستوطنة معاليه أدوميم؟". وقال وزير الاقتصاد زعيم حزب البيت اليهودي القومي الديني، نفتالي بينيت "سيكون هناك دائماً من يتهم اليهود، حتى عندما يذبح مسلم بريطاني مسيحياً بريطانياً".

ولأن هذا الأمر نوع من نكران الجميل، لدى بعض الإسرائيليين، فقد علق بن كاسبيت في مقال له "يحتمل أن يكون ما قاله جون كيري منقطعاً عن الواقع. يحتمل أن يكون كيري دونكيشوتاً ساذجاً، غير مناسب مع البربرية الشرق أوسطية. يمكن الجدال في ذلك. ولكن، الهجوم منفلت العقال على وزير الخارجية الأميركي، من وزيرين مركزيين في حكومة نتنياهو هو ذروة جديدة في انعدام المسؤولية، نكران الجميل وجنون الأنظمة الإسرائيلية". وفي لهجة امتنان للولايات المتحدة، يضيف بن كاسبيت "ليس لإسرائيل أميركا أخرى. هذه هي آخر واحدة لنا. عندما سيكون بينيت رئيساً للوزراء، بمعونة الرب، ويقرر أخيراً إنهاء العمل في غزة، سيفهم بعد أسبوعين من القتال أن مخازن الذخيرة لديه فرغت. فليفحص بينيت، ويكتشف أن هذا ما حصل في كل واحدة من حروب إسرائيل. وعندها سيتعين عليه أن يستجدي البنتاغون أن يسمحوا له أن يفتح مخازن الطوارىء التي يحوزها الأميركيون هنا، وبالتوازي ان يطلقوا بضع سفن محملة في هذا الاتجاه".

ويتساءل بن كاسبيت "عندما سينفذ أبو مازن تهديده، ويتوجه إلى مجلس الأمن مع مشروعه الجديد، من يفترض به أن يستخدم حق النقض الفيتو؟ جلعاد أردان، بصفته سفير إسرائيل في الأمم المتحدة؟ لا. هذا هو دور الأميركيين الذين نتنكر لجميلهم: أن ينظفوا بعدنا، في كل مكان على وجه البسيطة". ويخلص بن كاسبيت إلى أنه "نحن نتعامل مع أميركا وكأنها أرنبتنا نركلها في الرأس في كل مناسبة". ويضع اللوم على نتانياهو "الذي أباح الدم الأميركي" وفتح المجال للتهجم على الأميركيين، فـ"لدولة اسرائيل ولشعب إسرائيل، أميركا هي الذخر الأهم والأكثر حيوية".

وفي محاولة لتبريد الأجواء، غادر وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون إلى واشنطن، وأعلن منها أن "العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تستند إلى المصالح والقيم المشتركة، ومحظور أن يعيبها خلاف من هذا النوع أو ذاك. فالولايات المتحدة تساعد إسرائيل في ميادين مختلفة جداً، وبداهة في الميدان الأمني، وعلينا تذكر ذلك وشكر الولايات المتحدة وقيادتها عليه. إن بين المؤسستين الأمنيتين في الدولتين علاقات حميمة لم يسبق لها مثيل في حجمها وأهميتها لأمن إسرائيل".

ومهما يكن من أمر ما يضمره الطرفان الأميركي والإسرائيلي تجاه بعضهما، ومن عدم ارتياح شخصي بين هذا المسؤول أو ذاك، تبقى مسألة العلاقات رهينة المصالح الاستراتيجية، لا رهينة الأمزجة الشخصية النزقة لهذا أو ذاك من الوزراء. وبحسب بن كاسبيت، ليس لإسرائيل أميركا أخرى، وبمعنى من المعاني، ليس لأميركا من إسرائيل أخرى في المنطقة، يقوم دورها الوظيفي على خدمة مصالح استراتيجية متماثلة، ولو وقع الخلاف أو التفاوت في الآراء في شأنها.
على الرغم من ذلك كله، ونظراً للدور الوظيفي الذي تقوم به إسرائيل في قلب الاستراتيجية الأميركية، كانت صحيفة الغارديان البريطانية قد نشرت وثائق سربها العميل السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي، إدوارد سنودن، حول التعاون الاستخباري الأميركي الإسرائيلي، تبين أن وكالة الأمن القومي الأميركية أولت اهتماماً لمصالح إسرائيل أكثر من اهتمامها بالمصالح الأمريكية. وبحسب الوثائق التي نشرها مراسل "الغارديان"، غلن غرينوالد، فإنه ومنذ أحداث "11 سبتمبر" كان التعاون الاستخباري بين إسرائيل والولايات المتحدة مدفوعاً بالمقام الأول باحتياجات إسرائيل الأمنية.