هل غيرت كورونا من أولويات حقوق الإنسان؟

24 مايو 2020
جاءت أزمة كورونا لتعيد ترتيب أولويات كثيرة يجب أن تحظى بها أساسيات الحياة. وأثبت هذا الفيروس أن الدول التي عززت وعمدت إلى تطوير بنيتها الصحية، هي القادرة على مواجهة الوباء، وكأنها دعوة مبطنة لإعادة النظر في ترتيب أولويات حقوق الإنسان، وإيلاء الحق في الرعاية الصحية الاهتمام الأكبر، حيث تركزت في العالم كله على الحقوق المدنية والسياسية، وكانت القضايا المتعلقة في الصحة، تأتي في المرتبة الثانية، ولا تشغل الرأي العام.

والسؤال هنا، كيف يمكن تقييم الوضع الحالي لحقوق الإنسان في ظل الجائحة وتحديد الفجوات ومعالجتها. هذا ما تم تداوله بموضوعية في حلقة نقاشية جميلة نظمها مركز وعي للتدريب على حقوق الإنسان، استضاف فيها المنسق الحكومي لحقوق الإنسان ومدير راديو البلد ومديرة مركز وعي، اتسمت بالانفتاح في موضوع لم نتطرق له من ذي قبل.


ومن المؤكد أن مجال الرعاية الصحية، والانهيار المروع في الاقتصاد، خصوصاً على مستوى قطاع الأعمال الخاص، لا بد له أن يتصدر المشهد من جانب نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني للانشغال بإصلاح هذه البنود، قبل أن نعود للانشغال بالحقوق المدنية والسياسية مرة أخرى.

إن تعزيز الفئات الأكثر هشاشة كذوي الإعاقة وكبار السن والنساء والأطفال واللاجئين الذين يعانون أكثر من غيرهم في هذه الجائحة، والتداعيات الاقتصادية مع عمال المياومة، هو مطلب ملح ويجب أن يكون في أول الأوليات، وما بين معارض ومؤيد لسياسة مناعة القطيع، إلا أن الأردن كان خياره تقديم المال على الصحة في المقام الأول.

واليوم فإن الدول سوف تقف مكشوفة أمام مصدقياتها وإيمانها بأن حقوق الإنسان هي حزمة واحدة، وما حدث هو إعادة توازنات جديدة في هذه الحقوق. كما باتت الحقوق الاجتماعية والصحية تتقدم على الحقوق السياسية والمدنية. فالحق في الحياة والصحة والأمن والغذاء والتعليم قد تصدر المشهد.

كورونا إذاً سلط الضوء على أمور كانت غائبة أيضا عن المجتمع المدني، وبالاضافة إلى ما ذكر سابقا، كذلك حق العاملات في المجال الطبي وغالبيتهن من النساء، وكذلك الحق في الغذاء والمياه، والأمن الغذائي برز للسطح وهو حق لا يمكن الاستهانة به. وحقوق العاملين في إدارة النفايات الطبية، كلها لم تكن تتصدر في المشهد المدني سابقا، ولكن أزمة كورونا أعطتها أهمية كباقي الحقوق الأخرى.

إذاً، الدور كبير على الإعلام – والذي لا مجال لبحثه هنا- ومنظمات المجتمع المدني في المرحلة القادمة وبصورة تشاركية. وبات من المؤكد أن العالم مقبل على التفكير بعمق من الهدف في الحياة، وكورونا أعطتنا فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا وقدراتنا على الربط بين كل الحقوق الإنسانية كحزمة واحدة، وعلى رأسها حماية الحق في الحياة كأساس لباقي الحقوق، وتوفير التكافل الاجتماعي تجاه الفئات الهشة، وتقوية روح التضامن بين أبناء الوطن الواحد وعلى مستوى المجتمع الدولي.

وأخيراً، لقد بدأ القادة والمفكّرون البارزون والمحلّلون في استكشاف المفاهيم الأساسيّة والتّطلّعات الشّجاعة التي كانت غائبة إلى حد كبير عن الحوارات العامة في الآونة الأخيرة. ومثل هذه الندوات والنقاشات على التطبيقات الافتراضية، والتي زادت بصورة ملفتة جدا منذ بدء الجائحة، إنّها ليست سوى ومضاتٍ مُبْكِرةٍ في الوقت الحاضر، مع ذلك فهي تحمل في طيّاتها إمكانيّةَ أن تُسفر عن لحظةٍ من وعي جماعي.