هل ستدقّ ساعة عودة اللاجئين إلى أوطانهم؟

هل ستدقّ ساعة عودة اللاجئين إلى أوطانهم؟

25 نوفمبر 2019
الصورة
تلعب المصالح الاقتصادية دوراً هاماً في قرار اللاجئين بالعودة(Getty)
+ الخط -
عندما اندلعت سلسلة الانتفاضات العربية عام 2011، كانت هناك آمال في أن تؤدِّي إلى إنشاء أنظمة ديمقراطية في المنطقة، وإزالة جميع العوائق التي تعترض عملية التنمية الشاملة، لكن أُجهِض الكثير من تلك الآمال، ولا سيَّما في الدول التي أَجبرت فيها الصراعات الأهلية المستمرّة الملايين على أن يصبحوا لاجئين، معظمهم في البلدان المجاورة والغربية.

وبالنظر إلى الظروف الحالية، فإنّ العودة الطوعية إلى الوطن، كما حدَّدتها اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951، ليست مجدية بشكل عام، ويتمثل السبب وراء ذلك بعدم وجود تسويات سياسية قوية وذات صدقية للنزاعات من شأنها أن تضمن أمن اللاجئين العائدين والمجتمعات، وكذا حقوق الإنسان وحقوق الملكية الخاصة بهم.

وعلاوة على ذلك، لا يوجد جدول أعمال كبير لإعادة الإعمار، الذي بدوره يعتمد على تحقيق تسوية سياسية ذات معنى.

لقد فرَّ نحو 6.4 ملايين لاجئ من سورية، واستقرَّ معظمهم في الدول المجاورة، حيث استقبلت تركيا نحو نصف ذلك العدد، فيما بلغ نصيب لبنان والأردن مجتمعَين نحو 2.4 مليون لاجئ، واستقرَّ نحو مليون لاجئ في أوروبا، وخاصة في ألمانيا والسويد.

كذلك عانى أكثر من مليوني شخص في اليمن من النزوح الداخلي، ولا سيَّما في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون مع امتداد الآثار إلى البلدان الأفريقية المجاورة.

وبين عامي 2014 و2018، عانى أكثر من ثلاثة ملايين عراقي من النزوح الداخلي، بينما اضطرّ أكثر من 280 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، إلى البحث عن ملجأ في البلدان المجاورة، وخاصة تركيا.

وعلى سبيل المثال، ينحدر اللاجئون السوريون الذين استقرّوا في الأردن ولبنان وتركيا من المناطق الريفية والأكثر فقراً في سورية، أكثر من نصفهم من الأطفال ومعظم البالغين لا يمتلكون شهادات تعليم عالٍ، وهكذا ساهم كل من الفقر الذي ينهش نصف أسر اللاجئين السوريين والتعليم المتدني في خفض احتمالات اندماج اللاجئين في البلدان المضيفة لهم.

وعند اتِّخاذ القرار بشأن العودة إلى البلد الأصل، يأخذ اللاجئون بالاعتبار العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في كل من البلدان المضيفة والبلدان الأصلية.

وتلعب المصالح الاقتصادية دوراً هاماً في قرار اللاجئين بالعودة، كتوقعاتهم لظروف معيشتهم في وطنهم وفرص العمل، وكذا الحصول على الخدمات الاجتماعية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية جنس رب الأسرة في حسم تلك القرارات، حيث تميل الأسر التي ترأسها نساء إلى مزيد من الاهتمام بتوفير الخدمات، ولا سيَّما المدارس والمستشفيات لأطفالهن، بينما يهتم الرجال أكثر بتوافر فرص العمل والحصول على سبل العيش.

وقد يعتبر اللاجئون العودة إلى ديارهم كعمل سياسي يعادل الاعتراف بشرعية النظام في الوطن الأم، وبالتالي قد يختارون عدم العودة والمساهمة في عملية إعادة البناء ما لم يشعروا بأنّهم سيلقون الحماية في بلدهم الأصلي.

ووفقاً لدراسة أجراها البنك الدولي في عام 2019، تشير المعلومات عن العائدين السوريين الأوائل (نحو 3 بالمائة من المجموع) إلى أنّ 58 بالمائة من الرجال يعتبرون الانضمام إلى أفراد الأسرة هو السبب الرئيسي للعودة.

يتبع ذلك أولاً تدهور الأوضاع في بلد اللجوء؛ ثانياً، تحسُّن الوضع الأمني في الوطن؛ وأخيراً، الرغبة في العمل. هذا وقد قُدِّرت نسبة اللاجئين العائدين من تركيا بـ 40 بالمائة، و36 بالمائة من لبنان، وعدد قليل من العراق والأردن ومصر.

عقد بين اللاجئين ونظم ما بعد الصراع

مهما كانت الدوافع التي تدفع اللاجئين إلى العودة إلى ديارهم، يجب أن يُنظر إلى عودتهم على أنّها عملية تقارب اقتصادي وسياسي بين المواطن والمجتمع والدولة، وهذا ما يتطلَّب إعادة بناء العقد الاجتماعي الذي انتهت صلاحيته بين اللاجئ والدولة.

وكلما اجتهد النظام ما بعد الصراع في توفير الحوافز الاقتصادية والأمن والاستقرار والعدالة، تزداد احتمالات العودة الطوعية للاجئين.

بالطبع ستستغرق هذه العملية وقتاً طويلاً، لكن يجب وضع الحجر الأساس لإعادة اللاجئين والنزول من ضبابية التوصيات إلى التنفيذ على أرض الواقع، كتقديم المساعدة القانونية، وتحديد وسطاء المجتمع الموثوق بهم، وارتقاء إدارة ما بعد الصراع إلى خدمة المصلحة المشتركة بدلاً من الحرص على استمرارية العلاقة مع جهات استراتيجية معينة من أجل مصالح خاصة.

ولكي تنجح تلك الدول التي مزَّقها الصراع في الخروج إلى بر الأمان وطمأنة اللاجئين، عليها أن تأخذ العبر من التسويات السابقة مثل تلك التي تلت الحرب الأهلية الجزائرية واللبنانية في عامي 2002 و1990 على التوالي.

ففي الحالة الجزائرية، كانت التسوية ذات صدقية، ولكنها اتَّصفت بعدم الاكتمال، فقد شكَّلت الدولة قبضة قوية وتعزَّزت بالموارد الاقتصادية (خاصة النفط)، ولكن لم تُطبَّق العدالة الانتقالية، لذلك استمرّت الهشاشة إلى يومنا هذا.

أمّا بالنسبة إلى الحالة اللبنانية، فقد تمكَّنت التسوية المعروفة باسم اتفاق الطائف من إعادة تنظيم الحصص السياسية للطوائف الدينية في الحكم، في ما يُسمى "الديمقراطية التوافقية" Consociational Democracy، لكنّها لم تقض على عدم المساواة القائمة في الحقوق المدنية للمواطنين كما كان مُتوقعاً.

ففي الوقت الذي عاد فيه عدد كبير من المواطنين اللبنانيين الذين غادروا البلاد خلال الحرب الأهلية بمجرَّد التوصُّل إلى تسوية سياسية، اختار عدد كبير من اللاجئين عدم العودة، وخاصّة أولئك الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة.

الموارد الاقتصادية لإعادة الإعمار

عند وضع خطط إعادة الإعمار، من المهم الأخذ بالاعتبار أنّ الدوافع الرئيسية للنمو في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشمل رأس المال العام، استثمارات البنية التحتية العامة، استثمارات رأس المال الخاص، رأس المال البشري، إنتاجية عوامل الإنتاج الإجمالية، الديموغرافيا ونتائج سوق العمل.

لذلك، يُمثِّل توفير الموارد اللازمة لتمويل الاستثمار المطلوب في جميع هذه المجالات، وكذا القوى العاملة لتنفيذها، تحدياً كبيراً يواجه خطط إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع. وبالتالي سيلعب التمويل الأجنبي دوراً مهماً، وكذا احتمال عودة رأس مال وتحويلات المقيمين في الخارج.

ويُظهِر السيناريو التفاؤلي في حالة سورية أنّه إذا كان هناك قدر كبير من المساعدة الأجنبية واستثمارات عالية خلال العقد الأول من عملية إعادة الإعمار في ظل التخصيص الفعّال للموارد، فإنّ سورية ستكون قادرة على تجاوز مستويات الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 خلال فترة تُقدَّر بـ 10 سنوات.

بينما يُظهِر السيناريو التشاؤمي البديل أنّ العوامل المتمثلة بمحدودية الضمانات المتعلقة بالأمن وحقوق الملكية وصناديق إعادة الإعمار الفارغة نسبياً إلى حدّ الآن والاستثمار المتدني، ستجعل من الاقتصاد السوري يستغرق عقدين أو ثلاثة عقود للوصول إلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010 وتجاوزها.

خلاصة القول، أنّ آثار النزاعات العربية الحالية ومشاكل اللاجئين المرتبطة بها قد امتدت الآن إلى خارج المنطقة لتصبح مشكلة عالمية، وهذا يعني أنّ هناك حاجة ماسة إلى عمل سياسي منسَّق بين الحكومات المعنية والمنظمات الدولية للتوصُّل إلى حلّ شامل لمشكلة اللاجئين.

وينبغي للدول الغربية التي تدخَّلت عسكرياً في الدول العربية التي شهدت نزاعات دامية أن تمدّ يد العون بهدف إعادة الاستقرار الذي يمهِّد طريق العودة للاجئين، خاصّة أنّ النماذج الإقليمية السابقة والجهود الفردية قد لا تكون فعّالة أو مستدامة.

لذلك، يجب على المجتمع الدولي المساهمة في تصميم نماذج ومؤسسات جديدة لإعادة الإعمار، لتجنُّب أوجه القصور في الماضي ووضع الأسس لبرامج مستدامة لإعادة اللاجئين إلى أوطانهم.


المساهمون