هل خدع السيسي محمد مرسي؟

01 يوليو 2020

سؤال يتداوله متابعو الشأن المصري؛ إما بهجوم شرس، أو بقلب مهزوم، هل كان السيسي من الدهاء بحيث خدع الرئيس الراحل محمد مرسي؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من الإشارة أولاً إلى عدد من الانقلابات التي واجهها الرئيس المدني؛ وثانياً إلى أسبابها الحقيقية؛ وثالثاً إلى نبذة عن هذا الرجل:

أولاً، الانقلابات:
الأول، بعد ثورة يناير 2011، رفض السيسي، مدير المخابرات الحربية المسؤول عن ملف الإسلاميين، قرار الإخوان بتقديم مرشح رئاسي، مبرراً ذلك بأن التحديات التي تواجهها مصر أكبر من أي جماعة.

الثاني، في يونيو 2012، حلّ المجلس العسكري البرلمان المنتخب، واستبق وصول الرئيس المدني إلى سدة الحكم بإعلان دستوري ينزع صلاحياته.

كانت هناك نار مستعرة تسري تحت رماد ابتسامة وتصريح مرسي أن في جيش مصر رجالاً مثل الذهب

الثالث، في أغسطس 2012، أهملت الشرطة العسكرية تأمين رئيس الوزراء هشام قنديل أثناء تشييع جنازة الجنود، فتم الاعتداء عليه وعلى بعض الوزراء والمسؤولين أمام النصب التذكاري حيث كان يفترض أن يشارك الرئيس في تلك المراسم.

الرابع في نوفمبر 2012، دعا السيسي القوى السياسية وقادة الأحزاب وشخصيات عامة للتحاور حول الإعلان الدستوري لمرسي الذي أبلغه بموافقته على اجتماعه.

الخامس في يناير 2013، التقى السيسي بطلبة الكلية الحربية وتحدث لأول مرة عن انهيار الدولة وتحييد الجيش ورفعه فوق الخلاف، واعتبر الرئيس أحد أطراف النزاع.

السادس في فبراير 2013، بعد انتشار أخبار عن إقالة السيسي، صرّحت مصادر مطلعة داخل القوات المسلحة أن قادة الجيش قالوا إنّهم لن يكونوا لعبة في يد أي نظام، وإنّ تسريبات كهذه هي لعب بكرة لهب.

السابع، في إبريل 2013، وضع الجيش خطة طوارئ يتولّى بموجبها المسؤولية الأمنية، ووسّع دوره في بورسعيد؛ المرفأ المصري على قناة السويس.

الثامن، في يونيو 2013، التقى السيسي بالفنانين، وبدأ في نسج علاقات معهم، وأطلق تحذيره الشهير (الجيش نار لا تلعبوا به أو معه). 

التاسع، في 30 يونيو 2013، بعد إعلان السيسي أسبوع المهلة الأولى، اتصل مساعدان لمرسي بقائد الجيش الميداني الثاني، ليعرضا عليه منصب وزير الدفاع، فأبلغ بدوره السيسي؛ فكانت المهلة الثانية التي انقلب بعدها الجيش.

مثّل انتخاب محمد مرسي "الإخواني" رئيساً لمصر أخطر مظاهر التغيير الذي طرأ على البيئة الاستراتيجية للكيان الصهيوني

كانت هناك نار مستعرة تسري تحت رماد ابتسامة وتصريح مرسي أن في جيش مصر رجالاً مثل الذهب؛ فقد صرّح السيسي في أحد لقاءاته بعد الانقلاب بأن عدد المرات التي أبدت فيها قيادة القوات المسلحة تحفظها على السياسات والقرارات أكثر من أن تحصى؛ في أغسطس 2012، خاطب السيسي مرسي بأن يطالب حماس بتسليم بعض عناصرها، فرفض الرئيس وأمره بمناقشة الأمر مع قياداتها فرفض الجنرال؛ وفي نوفمبر، أمر مرسي بوقف عملية في سيناء، فاضطر السيسي للاستجابة على مضض؛ وفي إبريل 2013، وبعد عودة مرسي من السودان، أرسل السيسي قائد الأركان إلى الخرطوم، ليؤكد رفض الجيش التنازل عن حلايب وشلاتين؛ كذلك كشف حوار أجراه اللواء المتقاعد أيمن سلامة في إذاعة بي بي سي في يوليو 2013 عن خلافات متصاعدة بين مرسي والسيسي احتدمت في الشهر الأخير قبل الانقلاب بسبب تكرار رفضه طلب الجيش غلق الأنفاق بين غزة وسيناء، معلّلاً ذلك بالتعاطف الإنساني مع الفلسطينيين؛ والذي اعتبرته القيادة العسكرية المصرية خطراً على علاقاتها مع الجيش الإسرائيلي؛ كما رسمت مقابلات أجرتها وكالة أسوشيتد برس مع ضباط كبار في وزارة الدفاع والأمن والمخابرات صورة لحقيقة العلاقة المتوترة بين محمد مرسي ووزير دفاعه الذي كره تكرار رئيسه على مسامعه أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فاعتبره متخطياً لسلطته المدنية، ويقود البلاد إلى الفوضى، لذا تحداه وعصى أوامره مراراً.

ثانياً، أسباب الانقلاب: 
أولاً، أقامت القوات المسلحة مملكتها العميقة المتكلسة المسيطرة على كل مفاصل الدولة على أساسات تركة انقلابها في يوليو 1952، فصارت المتحكم الحصري في كل مقدرات البلاد.

ثانياً، سيطر الجيش، بحسب تقرير نشر بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، على 60% من اقتصاد مصر، وتمتع بميزانية سرية، وإعفاءات ضريبية لكل أعماله غير معلنة الأرباح.

ثالثاً، دعمت دول خليجية انقلاب السيسي بمليارات كانت ثمناً بخساً في مقابل الحفاظ على عروشها، ونهش أرض، وثروات، وآثار، وتاريخ مصر، والقضاء على ثورات المنطقة.

رابعاً، في نوفمبر 2012، تضامن مرسي مع غزة ضد عدوان الكيان الصهيوني، وفتح المعابر، وسحب السفير المصري من تل أبيب، وأرسل وفداً حكومياً يتقدمه رئيس وزرائه؛ كما أعلن دعمه لثورات الربيع العربي وعلى رأسها ثورة سورية.

خامساً، زار مرسي سيناء أربع مرات ووضع تنميتها على رأس جدول أعماله، وأرسى سياسة الحوار والوساطات مع الجماعات المسلحة في سيناء ليتجنّب إراقة الدماء، في الوقت الذي كان يسعى فيه الجيش للتصعيد.

سادساً، مثل انتخاب محمد مرسي "الإخواني" رئيساً لمصر أخطر مظاهر التغيير الذي طرأ على البيئة الاستراتيجية للكيان الصهيوني، فذلك قد يعطل تنفيذ صفقة القرن، أو يؤدي لإنشاء محور إسلامي يهدد مكاسبه بعد معاهدة كامب ديفيد التي اعترف الجنرال الإسرائيلي "آرييه إلداد" بأن الكيان فعل أدواته الدبلوماسية، ووسائل أكبر من ذلك، من أجل إيصال عبد الفتاح السيسي إلى الحكم حفاظاً عليها.

سابعاً، الموافقة الضمنية لدول الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة التي تجاهلت الفعل الانقلابي، وأصدت تصريحات تدفع نحو انتقال سلمي للسلطة.

ثامناً، قدم الفصيل العلماني في مصر الغطاء الثوري للانقلاب وسوق له داخليا وخارجيا عبر وجوه إعلامية ذات رصيد لدى الجمهور، وعبر مال يتحدث من خلال رجال أعمال من الوزن الثقيل.

ثالثاً، نبذة مختصرة عن محمد مرسي:
هو أستاذ ورئيس قسم بكلية الهندسة، حاصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة، انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين 1979، وعمل عضواً بالقسم السياسي فيها منذ نشأته عام 1992. ترشح لانتخابات البرلمان 1995، و2005، وكان  من أنشط الأعضاء والمتحدث الرسمي باسم الكتلة البرلمانية للإخوان عام 2000، وانتخب عضواً في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، واختير عضواً بلجنة مقاومة الصهيونية في محافظة الشرقية، وعضواً بالمؤتمر الدولي للأحزاب والقوى السياسية والنقابات المهنية، و عضواً مؤسساً في اللجنة المصرية لمقاومة المشروع الصهيوني، وشارك في تأسيس الجبهة الوطنية للتغيير 2004، وفي تأسيس التحالف الديمقراطي 2011، انتخب كأول رئيس لحزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعته بعد الثورة؛ واعتقل في 2006 في مظاهرة تطالب باستقلال القضاء، وكانت له واقعة شهيرة عندما اعتقل في 2011 بعد اقتحام السجون، حين رفض ترك زنزانته واتصل بوسائل إعلام يطالب الجهات القضائية بالانتقال لمقر السجن والتحقق من موقفه القانوني وأسباب اعتقاله، قبل أن يغادره؛ وفي 30 يونيو 2011، فاز بمنصب رئيس جمهورية مصر.

وكإجابة عن السؤال، أكتفي بأن أختم بشهادة "أسامة حمودة" مساعد الدكتور "عصام الحداد" مساعد رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية، على واقعة شخصية له مع مرسي في 23 مايو 2013 حين سأله عن مدى ثقته بوزير دفاعه، فأجابه الرئيس: "وهل يوجد إنسان عاقل يثق بشخص كهذا؟".