هل حقاً الشرعية اليمنية بصدد استعادة الدولة؟!

04 فبراير 2020
+ الخط -
أبرمت شرعية هادي خلال الخمس سنوات الماضية من الاتفاقيات والتسويات السياسية أكثر مما أبرم اليمن من التسويات طوال عقوده الماضية.. (الحوار الوطني - اتفاق كتاف مع الحوثي - اتفاق عمران - اتفاق السلم والشراكة - اتفاقية الحديدة - اتفاق انقلاب عدن الأول - اتفاق الحكومة والإمارات في سقطرى - اتفاق السلطة المحلية والسعودية في المهرة - اتفاق الرياض مؤخرا).

كل هذه الاتفاقيات ولم تستفد الشرعية من اتفاق واحد، وكلها ذهبت في مصلحة الطرف الآخر، على حساب التراب الوطني والإنسان اليمني، نقرأ مؤخراً خبر إعلان كتيبة بحرية في سقطرى الولاء للمجلس الانتقالي بدعم إماراتي، وقبلها سعي المجلس الانتقالي إلى تغيير المناهج الدراسية بما يعزز الانشطار، كل ذلك يتم بعد 3 أشهر من اتفاق الرياض الموقع مؤخراً.

ما اتفق عليه في الرياض ليس الاتفاقية التي قرأناها أو التي وقعتها الحكومة، لأن ما وقع عليه ليس ما نراه يتم على الواقع، وقعت الحكومة الاتفاق بعد أن أيقظوها من نومها إلى طاولة التوقيع، وبعد التوقيع ذهبت مجددا لكي تُكمل سباتها، تاركة الاتفاق يجد طريقه إلى التنفيذ في أدراج الرئاسة ومكاتبها المليئة بالتعيينات والتزكيات.


تتكلم الشرعية عن استعادة الدولة وتحرير الأرض وحماية الإنسان اليمني، بينما الحاصل بعد خمس سنوات من الحرب والدمار أن الطرف الآخر هو من يُفكر ويدرس خيارات الهجوم، الآخر من يفرض القوة على الأرض، الآخر من يصنع الحراك السياسي، الآخر من يصنع الانتصارات العسكرية، الآخر من يُفكر ويُخطط لبناء دولة، بغض النظر كيف ستكون لكنه طرف طموح وقوي وفعال على الأرض، بعد سنوات من الحرب، الحوثي هو من يُهاجم، وهو من يُسيطر، وهو من يملك الآلة الإعلامية والعسكرية الضخمة، وهو من يمضي في طريقه كما ولو أنه يملك هذه الأرض منذ القدم.

تعمل الشرعية على الأرض كالروبوت الذي تعمل أعضاؤه بطريقة مفككة، كل عضو بحاجة إلى كود برمجي مستقل عن الآخر، لا تفاعل بين مجموع الأعضاء، لا سيالات عصبية تنقل الإحساس والشعور بين هذه الأعضاء، من هم في مأرب لا يعلمون ماذا يصنع أهل الساحل، ومن هم في الساحل لا يعلمون ماذا يصنع من هم في تعز، شبكات الاتصال العسكرية والمدنية مخترقة، الأسلحة مكدسة لا تجد طريقها إلى معارك القتال، القرار العسكري والسياسي بيد التحالف، الرئاسة في الرياض لا تعلم ماذا يجري في عاصمتها المؤقتة عدن وجزيرة سقطرى وبقية المحافظات، الإنسان اليمني يموت بالأمراض والأوبئة والألغام والحصار والقصف، رئاسة لا تملك الرؤية تماماً، لا تقارير ترفع إليها، وإن رفعت فهي مفككة لا يجمعها جامع، وإن حصل أن رفعت فطريقها إلى الأدراج المكدسة بالأوراق والاتفاقيات.

هل حقا الشرعية بصدد استعادة دولة؟ لأنه لا مؤشر واحداً على الأرض يدل على أن هناك دولا في طريقها إلى الاستعادة، فقط هناك دولة تسقط من يد اليمنيين كل يوم قطعة بيد العدو، وفي المقابل نرى هناك دولة أخرى على الورق، والكثير من التعيينات والإقالات والمناصب وصرف الرواتب بالدولار.

منذ أربع سنوات تدور رحى الحرب في مديرة نهم، المديرية التي شهدت أكبر أعمال عسكرية في تاريخ الجمهورية، مئات الشهداء وآلاف الجرحى، الجيش هناك يُقدم تضحيات لم تسبق في تاريخ اليمن، الجبهة التي تُطل على عاصمة البلاد ومستقبلها، تسقط المديرية والجبهة في يوم وليلة، ولا نسمع أن شرعية هادي حركت ساكنا، سوى إقالة قائد المنطقة السابعة، وقبلها بيومين سقط قرابة 110 شهداء في معسكر الاستقبال، وقبلها بأشهر قليلة سقط مثلهم في نقطة العلم، وقبلها سقط مثلهم في غارات للتحالف، وقبلها وقبلها وكم من الوقائع.

حاليا يبدو أن معسكر ماس ومحيط مجمع مأرب في وضع حرج، فيما لو كثف الحوثي هجماته على الجوف وأنها ما تبقى للمنطقة السابعة في المحافظة، كان بالإمكان لهذه الحادثة المهولة أن تستنفر الشرعية وتنظر إلى أبعاد هذه الكارثة، كما لم تنظر إلى أبعاد ما يحدث في عدن وشبوة والحديدة والمهرة وسقطرى، حري بها أن تعيد قراءة الواقع والتعاطي معه من ناحية، ومن ناحية أخرى إعادة رسم العلاقة بين التحالف والشرعية، قلت سابقا إن اليمني يتعامل مع الحدث حينما يحصل، لا ينظر إليه قبل حدوثه، ذلك أنها تعجبه النوائب المفاجأة لكي يصنع منها مشاعر كبيرة وضخمة ينسى معها المقدمات واللوم الذي يترتب عليها، ولكن كيف تفعل الشرعية كل ذلك وهي بعيدة كل البعد عن الواقع وما يدور فيه.

حري باليمنيين الشرفاء أن يضعوا لكل هذه المهزلة حداً، حري بهم أن يلتقطوا أنفاسهم الأخيرة ويتداركوا ما تبقى من اليمن الكبير، مأرب وتعز وبقية المحافظات، الشرعية اليوم لم تعد قادرة على أن تعطي بقدر ما أعطت، فضلا عن أنها مستمرة في مشوارها في تسليم اليمن قطعة قطعة فيما لو استمرت بهذا الذي تُسميه استعادة الدولة، بالتوقيعات والتعيينات والسفريات السياحية، للحكومة وقيادات الدولة.