هل جرت صفقة بين أميركا وتركيا؟

26 مايو 2019
الصورة
مصالح اقتصادية وراء امتثال تركيا بالعقوبات المفروضة على إيران(Getty)


عقب إعلان إدارة دونالد ترامب بداية شهر مايو الجاري، فرض حظر شامل على صادرات النفط الإيراني ومعاقبة أي دولة مستوردة له، خرجت عدة تصريحات من العاصمة التركية أنقرة، تصبّ كلها في اتجاه واحد هو رفض الامتثال للقرار الأميركي بسبب أضراره الشديدة على الاقتصاد التركي وقطاع الطاقة، وخاصة أن تركيا مستورد رئيسي للنفط الإيراني وتعتمد بشكل كبير على الطاقة الإيرانية، سواء النفط أو الغاز، في تلبية جزء مهم من حاجاتها.

وحسب الأرقام، فإنه قبل مايو/ أيار 2018، حين انسحبت أميركا من الاتفاق النووي مع إيران، كانت تركيا تستورد 912 ألف طن في المتوسط من النفط الإيراني شهرياً، بما يعادل 47 بالمئة من إجمالي وارداتها.

كما قدم المسؤولون الأتراك سببا آخر لعدم الالتزام بالقرار الأميركي الخاص بالنفط الإيراني، وهو أن مصافي التكرير التركية لا يناسبها نفط الدول الأخرى.

كما أن التزام أنقرة بالقرار الأميركي يعني تعرض الليرة التركية، وسوق الصرف الأجنبي والميزان التجاري لمزيد من الضغوط والهزات، وخاصة مع زيادة بند تكلفة واردات الطاقة في حال التوقف عن استيراد النفط الإيراني الرخيص والقريب.

معارضة قوية

مثلاً في 2 مايو الجاري، وهو اليوم الذي قررت فيه أميركا تصفير النفط الإيراني وفرض حظر كامل عليه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو إن بلاده "لا تستطيع تنويع وارداتها النفطية بسهولة، وأن على واشنطن أن تعيد النظر في قراراتها المتعلقة بحظر استيراد النفط الإيراني، وخاصة أنه لا يبدو ممكناً تنويع الموردين في مثل تلك الفترة القصيرة، كما أن إيران من أكبر موردي النفط لتركيا، التي تكاد تعتمد اعتماداً كاملاً على الواردات لتلبية حاجاتها من الطاقة".

وفي مناسبات أخرى، جدد جاووش أوغلو معارضة بلاده للعقوبات على إيران، وقال إن تركيا تدرس تأسيس آليات جديدة للتجارة مع إيران، مماثلة لنظام أقامته دول أوروبية لتفادي العقوبات التي أعادت أميركا فرضها على صادرات النفط الإيرانية في العام الماضي، كما أن أنقرة وجارتها إيران بحاجة لمواصلة العمل لزيادة حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار، وهو ما يصل إلى نحو ثلاثة أمثال المستويات الحالية وذلك حسب وزير الخارجية التركي.

وأعقب هذا التصريح تصريحات أخرى مماثلة، منها ما قاله المتحدث باسم الخارجية التركية من أنه يتعين على أميركا أن تدرك أنها لن تستطيع الوصول إلى نتيجة عبر الإملاءات.

بل إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انتقد فرض العقوبات الأميركية على إيران، قائلاً إنها تزعزع الاستقرار في المنطقة.

ولم تكتف أنقرة بتصريحات رفض الامتثال للقرار الأميركي، بل تحركت لإقناع الإدارة الأميركية بخطورة القرار على الاقتصاد التركي وصعوبة تطبيقه، وسعت أنقرة للحصول على استثناء من القرار كما جرى في الستة أشهر الماضية.

وعبّر عن هذا الموقف حامي أقصوي المتحدث باسم الخارجية التركية، الذي أعلن أن بلاده تسعى لإقناع واشنطن بالسماح لشركة توبراش للتكرير، أكبر مستورد نفط في تركيا، بمواصلة شراء النفط الخام من إيران بدون التعرّض لعقوبات.

تغير جذري

إلا أننا فوجئنا يوم الخميس 23 مايو الجاري، بحدوث تغير جذري في الموقف التركي تجاه العقوبات الأميركية على إيران، فقد أعلن مسؤول تركي أن بلاده توقفت بالكامل منذ مطلع مايو/ أيار عن استيراد النفط الإيراني، التزاماً بالعقوبات الأميركية على طهران، حتى وإن كانت لا توافق عليها.


ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول في وفد الخارجية التركية زار واشنطن الأسبوع الماضي قوله: "بصفتنا حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، فإننا نحترم العقوبات". كما أغلقت تركيا موانئها أمام النفط الإيراني، في امتثال كامل للعقوبات الأميركية على موردها الرئيسي.

السؤال ما الذي جرى خلال أقل من شهر حتى تغير أنقرة موقفها؛ من رفض شديد للقرار الأميركي وانتقاد علني له، إلى امتثال كامل له؟

تفادي عقوبات جديدة

هناك عدة احتمالات يمكن أن تفسر هذا التغير المفاجئ في الموقف التركي. الأول هو عدم رغبة الحكومة التركية في صبّ مزيد من الزيت على النار في ملف العلاقات المعقدة مع واشنطن، أو تفخيخ العلاقة المتوترة أصلاً التي انعكست سلباً على الاقتصاد التركي وخاصة سعر الليرة والاستثمارات المباشرة، ورغبة أنقرة كذلك في خفض منسوب التوتر مع إدارة ترامب، وخاصة مع عدم حسم ملفات مثل صفقة شراء نظام دفاع صاروخي روسي. ومن هنا جاء امتثال تركيا الكامل للقرار، الذي يتيح لها تفادي العقوبات الأميركية.

بدائل للنفط الإيراني

الاحتمال الثاني هو إيجاد تركيا بدائل سريعة للنفط الإيراني، وهنا ربما تكون أنقرة قد أحلّت نفطاً من العراق وروسيا وكازاخستان محلّ النفط الإيراني الذي أوقفت استيراده تماماً، وربما هذا يفسر الزيارة الرسميّة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية، عادل عبد المهدي، لتركيا منتصف الشهر الجاري، بناءً على دعوة تلقاها من أردوغان.

تقارب بين البلدين

الاحتمال الثالث هو حدوث تقارب اقتصادي تركي أميركي، فقد شهدت الأيام الماضية بعض التطورات تم على أثرها حدوث انفراجة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وواكبها صدور تصريحات إيجابية من قبل المسؤولين عن الملف الاقتصادي، فقد صدر قرار من البيت الأبيض يقضي بخفض الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات التركية إلى النصف، وهو ما اعتبره كثيرون تطوراً إيجابياً نادراً بين أنقرة وواشنطن.

وردت أنقرة على الخطوة بخفض الرسوم الجمركية على 22 منتجاً أميركياً بمقدار النصف، تجاوباً مع خطوة أميركية مماثلة بخفض الرسوم على واردات الصلب التركي إلى النصف، كما خفضت تركيا الرسوم إلى النصف على واردات سيارات الركوب والخمور والتبغ، ومستحضرات التجميل. وبعدها أبلغت تركيا منظمة التجارة العالمية أنها خفضت رسوماً على سلع أميركية محددة.

وصدرت تصريحات من وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، قالت إن تركيا ستواصل العمل لرفع حجم التجارة مع الولايات المتحدة إلى 75 مليار دولار.، كما يجري الحديث عن زيارة ترامب لتركيا عقب جولته الأوروبية المقررة في يونيو/ حزيران القادم.

لكن في مقابل هذه الانفراجة، أنهت الإدارة الأميركية اتفاق المعاملة التجارية التفضيلية لتركيا، الذي كان يتيح لأنقرة التأهل لبرنامج نظام الأفضليات المُعمم، في خطوة قالت الحكومة التركية إنها تتنافى مع أهداف التجارة.

وأياً كان الاحتمال الأقوى، فإن تركيا سعت وراء مصالحها وتفادت بقرار الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، فتح جبهة توتر جديدة مع الإدارة الأميركية وتوسيع هوة الخلافات السياسية والاقتصادية بين البلدين، التي تنعكس مباشرة على الاقتصاد التركي وخاصة عملته الليرة.