هل تنجح الموجة الثانية من انتفاضات الربيع العربي؟

11 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم تمض بضع سنوات على انطلاق الموجة الأولى من انتفاضات الربيع العربي، حتى بدأت تخبو تدريجياً آمال الملايين التي هتفت في الشوارع والساحات العربية، مطالبة بسقوط الأنظمة السياسية، فمع نهاية العام 2013، نجحت أنظمة استبداد عربية في الاحتفاظ بالسلطة، أو استعادها مستبدّون جدد من رجال الحرس القديم، أو تم الصراع عليها في صيغة حروبٍ أهليةٍ مدمرة. مع الفشل الذي أرخى سدوله هنا وهناك، انسحب المتظاهرون من الساحات، واستمر تغييب الفرص السياسية والاقتصادية، يقض مضاجعهم. 
على الرغم من فشلها، أطلقت انتفاضات الموجة الأولى الطاقات السياسية في العالم العربي، وانطلقت الموجة الثانية من الانتفاضات مؤكّدة أن أنظمة الاستبداد لم تستوعب الدرس جيدا، واستمرت بالاحتماء بسلطويتها، ولم تُحسن استغلال فُرص التهدئة التي منحها إياها الشارع لإجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، فكان عليها مجدّدا مواجهة شارع منتفض، لم تعد تُجدي معه نفعا محاولات تشويهه سياسيا وأخلاقيا، ولا تخويفه بنظريات المؤامرة، أو ترهيبه بالفوضى والفراغ، فجلَّ ما يخشاه الشارع العربي اليوم هو إعادة تدوير السلطة لإعادة إنتاج النظام القديم الذي احتكر صناعة القرار والفشل في إدارة شؤونه في الوقت نفسه.
الشارع العربي اليوم أكثر خبرة، وأكثر تمسّكا بسلمية الحراك الجماهيري، على الرغم من محاولات تركيعه عبر القمع العنيف للاحتجاجات، فصمد متظاهرو السودان السلميون أمام عنف الجيش، وقمع رجال الشرطة، ما فوّت على نظام عمر البشير فرص تشويه الحراك الذي 
استقطب تعاطفا داخليا وخارجيا واسعا، اضطر معه الجيش للإذعان، والنزول، بعد عنادٍ، عند مطالب الجماهير، ولم يلجم الشارع اللبناني إجبار بعض المحتجين، تحت التهديد أو التعذيب، على الاعتذار العلني من النخب الفاسدة على مطالبتهم لها بالتنحّي، ولا اعتداءات البلطجية المأجورين على حراكهم السلمي، وعلى الرغم من خسارتهم حوالي ثلاثمائة شهيد، يمضي العراقيون في مواجهةٍ وحشية قوات الأمن بصدورهم العارية.
بدا أن متظاهري الموجة الثانية أكثر ثقة بالنفس، وتأكّد انعدام ثقتهم ليس بالنظام السياسي ورمزه وحسب، بل أيضا بالأحزاب السياسية حتى المُعارِضة منها. لذلك رفض المنتفضون في لبنان اقتراحات رئيس الوزراء سعد الحريري للإصلاح، وتمسّكوا باستقالته ورجال حكومته، ولم يكونوا معترضين على مضمون خطاب الرئيس ميشيل عون، ولا محتواه من رسائل، بقدر ما استقبلت تلك الرسائل بالتشكيك بمرسلها. ولا يعارض الجزائريون العملية الديمقراطية، ممثلة في الانتخابات الرئاسية، بل يعارضون انتخاباتٍ يتحكّم بها رموز الاستبداد القديم. إلى جانب الحكومات، يضع المحتجون قوى المعارضة في سلة العجز عن الوفاء بوعود الإصلاح، ويفضّلون المغامرة انطلاقا من "صفر سياسي" (أدرك المتظاهرون في لبنان حاجتهم لخيام المناقشات السياسية التي انتشرت في ساحات الاعتصام).
طوال عقود، احتكرت الأنظمة السياسية المجال العام، وحلّت سياسة الفرد الواحد مكان المؤسسات الفاعلة والديمقراطية، وباستثناء المؤسسة الأمنية لم تسع الأنظمة العربية إلى تطوير مؤسّسات الدولة، ما ترك فراغا في القيادة لدى النظام والمعارضة على حد سواء. استطاع التونسيون سد الفراغ المؤسساتي، بعد إطاحة زين العابدين بن علي، بأن سارعوا إلى المأسسة وتدعيم روافعها الديمقراطية، فأثبتت مؤسساتهم الفتية جدارتها في العملية الانتقالية، وكذلك في تأمين تداول سلمي للسلطة بعد رحيل الرئيس الباجي السبسي. لكن في غيرها، أدّت حالة الفراغ، وعجز المعارضة عن تطوير مؤسسات تشريعية وحزبية ديمقراطية، إلى جانب عوامل أخرى، إلى انهيار الدولة وتغوّل السلطة، والدخول في دوامة الحروب الأهلية، أو إلى نجاح الدولة العميقة في ثورتها المضادة.
واليوم تواجه فرص نجاح الموجة الثانية مخاطر جدّية على طريق ضمان بناء دولة بمؤسساتٍ 
فاعلة، ذات كفاءة في إدارة الشؤون الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، في ظل تصدّع الأحزاب السياسية، وحالة عدم الاستقرار السياسي التي برهنت، خلال الموجة الأولى، عجز هذا الفصيل أو ذاك عن تحمّل أعباء الحكم (تجربة الإخوان المسلمين في مصر مثلا). وعلى الرغم من رفض السودانيين والجزائريين حكم العسكر، لا تزال مؤسساتهم المدنية ضعيفة، ما يهدّد ما تم إحرازه حتى الآن، ولا تزال احتمالات العودة إلى استبداد الفرد المدعوم من المؤسسة العسكرية قائمة.
لا تبدو مخاطر انعدام الفراغ المؤسساتي أقل حدة في حالتي لبنان والعراق، المتمتعين بنظامين ديمقراطيين، لكنهما قائمان على المحاصصة الطائفية التي كانت سببا رئيسيا لفساد المؤسسات وفشلها، وعجز الحكومات، وعرقلة تشكيلها. مع ذلك، بدت الاحتجاجات، ورد الفعل العنيف من السلطة في العراق، وقد حطّمت أسطورة الطائفية التي ترعاها الدولة بوصفها مبدأ تنظيميا للسلطة السياسية، فلم يستثن اللبنانيون أحدا من زعماء الطوائف، وأزالوا صورهم "كلّن يعني كلّن" من الساحات والشوارع. وفي العراق، حيث الشيعة يقودون الحكومة، تركزت الاحتجاجات في المدن والمناطق الجنوبية ذات الغالبية الشيعية، والتي لم تكتف الشبيبة الغاضبة فيها بإدانة قياداتهم السياسية، بل تعدّتها لتربط مظالمها (تفشّي الفساد، البطالة، سوء الخدمات ..) بالتدخل الإيراني، ورفعوا شعار: "باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية".
تبدو مهمة المتظاهرين هنا أصعب مع طائفيةٍ تشكل جزءا من الهياكل السياسية الأساسية. ومع عفوية المظاهرات وزخمها، حجب تركيز المتظاهرين على المطالب الاجتماعية والاقتصادية بلورة بديل سياسي واضح المعالم، ما يهدّد مستقبل هذه التظاهرات وإنجازاتها، سيما وأن وكلاء 
الطوائف في كلا البلدين ما زالوا يدافعون بقوة عن سياسات الهوية الطائفية التي تؤمّن مصالحهم، مراهنين على بقاء التنافر المجتمعي لعرقلة مظاهرات الوحدة الوطنية، ما يثير القلق حيال قدرة المشاعر العلمانية التي تسود الشارعين، العراقي واللبناني، على الصمود طويلا في وجه الهياكل السلطوية الطائفية الراسخة. في حال نجاح هؤلاء الزعماء، ومع الإنهاك في معركة الشارع طويلة الأمد، قد يكتفي المتظاهرون بوعودٍ للإصلاح، أو بإصلاحات جزئية تتم تحت عملية الفساد ذاتها التي تقودها النخب الحاكمة.
القضاء على الطائفية السياسية، ومستلزماتها من المحاصصة على الدولة، يحتاج إلى أكثر من تمرّد شعبي، عفوي، بل على المتظاهرين إعادة تنظيم صفوفهم لإنتاج حراك ثوري منظم، مدعوم بحركة سياسية ذات قاعدة جماهيرية عريضة، لا تسعى فقط إلى تحسين مستويات المعيشة، بل إلى مواطنةٍ حقيقية، بتوسل التغيير الجذري في الهيكلية السياسية المُكرّسة (بموجب "الطائف" لبنانيا، و"القانون الفيدرالي" عراقيا)، ما يتطلّب قيادة سياسية مسؤولة، تحوز شرعية تمثيل قاعدتها الشعبية التي تمكنها من النجاح في أي عملية انتخابية قادمة، والمشاركة في صياغة دستورٍ جديد، وضمان بناء مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ فاعلةٍ، تسمح بتوسيع قاعدة صنع القرار، في ظل دولةٍ مدنية.