هل تكون مذبحة خان شيخون بداية الحل؟

هل تكون مذبحة خان شيخون بداية الحل؟

12 ابريل 2017
الصورة
+ الخط -
أتيح لي أن أشارك في ندوة في لندن عن المسؤولية الدولية للجرائم المرتكبة في سورية والعراق، أسهب المشاركون فيها في الحديث عن الجوانب القانونية التي تساهم في تحقيق العدالة النسبية، حيث وجهت سهامهم إلى عدد من المجموعات المسلحة، دون غيرها من القوى الموجودة على الساحة السورية، وفي مقدمتها النظام الذي عانى منه الشعب السوري، ونتجت عن ممارساته مآسي كثيرة سببتها الجرائم التي ارتكبها، ولا يزال يرتكبها، بحق شعبه الأعزل.

أطلعتنا وسائل الإعلام، أخيراً، على مشهدٍ تمثلت به بشاعة الإنسان، وقدرته الهائلة على الدمار، وسحق أخيه الإنسان بلا شفقة ولا رأفة. تابعنا بغضب واشمئزاز مشاهد أطفال سوريين مستلقين على جنبات الطرق، وعلى الأسرة فيما تبقى من المستشفيات التي دمرتها الحرب، وهم يودعون العالم بابتساماتٍ ممزوجة بالاستهزاء، قد رسمت على محياهم وهم يفارقون الحياة، وكأنهم يقولون لنا إن عدالتكم في هذه الدنيا لن تتحقق، نسبية كانت أم شاملة، وكيف لنا أن نتابع هذه المشاهد من دون أن نأخذ زمام المبادرة، ولو بعد حين، بالعمل على إنهاء هذه المعاناة الإنسانية في أسرع وقت ممكن؟
وقد جاء الرد الأميركي (من دون الخوض في مبرّراته الداخلية والخارجية) حازماً ومفاجئاً، فهل سيشكل بداية لحل سياسي يقلب الموازين؟
تمثلت المأساة السورية في غياب الإرادة السياسية الدولية المتوافقة على اتخاذ قرار أُممي صادر عن مجلس الأمن، يعمل على إحالة المتهمين بارتكاب أشد الجرائم فظاعةً إلى المحكمة الجنائية الدولية. وإن كان هذا الحل جزءاً يسيراً من محاولةٍ للانتصار للضحايا، فإن الجزء الأكبر يتمثل بمحاولة تفكيك هذا الصراع وإنهائه، من خلال تحرّك عربي جدّي، وبالتنسيق مع القوى الإقليمية الموجودة فعلياً على الساحة السورية، إما طمعاً أو استباحةً أو انتصاراً لحلفائها، وذلك تبعاً لرؤية كل جانبٍ من خلال نظرته إلى الصراع الدائر.
لم تحقق قمة البحر الميت العربية المعجزات، وإن كانت قد أحالت إلينا زمرة من عناوين
المخرجات السابقة للقمم العربية المتتالية، لكن الملف السوري ظل عالقاً، لغياب أدنى نقاط الالتقاء والتوافق على بلورة حلٍ سياسي، يقوم على بناء دولة سورية موحدة يسودها السلم، وتتيح لجميع أطياف الشعب السوري بالمشاركة. لن يتم ذلك، ولن يتحقق إلا برحيل النظام، وإقامة حكم رشيد، وإحالة جميع المتهمين بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية إما إلى محكمة، وطنيةٍ كانت أم دولية.
لقد ضربت القوى المتحاربة على الساحة السورية بالمواثيق الدولية عرض الحائط، وأمعنت في انتهاكها علماً أن النظام لا يزال يحوز حصة "الأسد" في حصيلة الانتهاكات، وإن كان قد انضم إلى اتفاقية حظر استحداث الأسلحة الكيماوية وإنتاجها وتخزينها واستعمالها، في 14 سبتمبر/ أيلول 2013، بعيد مذبحة الغوطة في أغسطس/ آب من العام نفسه، والتي أشارت أصابع اللجنة المشكلة بالاتهام إلى النظام.
وعلى الرغم من أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 لعام 2013، والصادر في 27 سبتمبر/ أيلول 2013، قد عمل على القضاء على البرنامج السوري للأسلحة الكيميائية، وإخضاعه إلى "تحقق صارم"، إلا أننا عدنا إلى المربع الأول، فجاء صباح الرابع من إبريل/ نيسان الجاري، ليعيد إلينا صور مذبحةٍ جديدةٍ في خان شيخون في ريف إدلب. وعلى الرغم من إنكار النظام السوري الحادثة، إلا أن الداعم الروسي، وفي معرض دفاعه عن هذا النظام، والذي قد يكون دفاعاً أقرب إلى الاعتراف بارتكاب الجريمة، أفاد "بأن طائرات النظام قد ضربت مخزناً للأسلحة الكيميائية للمعارضة بما تسبب بالمذبحة".
وقد أكدت قمه البحر الميت في توصياتها على "إيجاد حل سلمي ينهي الأزمه السورية، بما
يحقق طموحات الشعب السوري، ويحفظ وحده سورية". ولكننا لا نستطيع أن نتخيل أن يكون النظام الحالي شريكاً في هذا الحل، وخصوصاً بعد رسالته "البشعة" في خان شيخون، كما وصفها وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وتكراره استخدام المكان المشؤوم نفسه (مطار الشعيرات في ريف حمص) لعملياتٍ عسكريةٍ جوية استهدفت المدنيين، وإن بمادة "الفوسفور"، ليكتمل المشهد الأليم للواقع السوري. نحتاج إلى توافق إقليمي ودولي، وبمساهمة عربية أقوى، للخروج من الأزمة الحالية، وحقن دماء السوريين والتطلع إلى سورية من دون الأسد "فالمنطق يقتضي بأن شخصاً ارتبط بسفك دماء شعبه من الأرجح أن يخرج من المشهد السياسي"، على حد تعبير الملك عبد الله الثاني بن الحسين. فالمعاناة تمتد على المنطقة جمعاء، لتشمل دول الجوار السوري، والإخلال بالأمن القومي العربي.
فهل من حلٍ في الأفق؟

دلالات

D2920BD7-329F-45E7-9E3F-4D9D7163B853
إبراهيم مشهور الجازي