هل تكون الدولة ثنائية القومية مدخلاً للدولة الديمقراطية العلمانية؟

26 يوليو 2020
الصورة
الدولة الواحدة الديمقراطية شبه مستحيلة مع تصاعد التطرف الإسرائيلي (فرانس برس)


لم يمض عامان على انطلاقة الثورة الفلسطينية حتى جاءت نكسة حزيران، حيث أكملت إسرائيل احتلالها لكامل الأرض الفلسطينية. وصار هدف الثورة، ليس تحرير الأراضي التي احتلت عام 1948 بل أيضاَ التي احتلت عام 1967. أي كامل التراب الفلسطيني، من النهر إلى البحر. وقد بقيت المقاومة الفلسطينية متمسكة  بهذا الهدف، حتى انعقاد الدورة الثانية عشرة  للمجلس الوطني 1974 حيث تبنت القيادة الفلسطينية البرنامج المرحلي وإقامة السلطة الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية. 

كان هذا بداية التنازل عن هدف إقامة الدولة الفلسطينية الواحدة الموحدة لصالح خيار الدولتين. الأمر الذي ترجمته القيادة الفلسطينية بتوقيعها اتفاق أوسلو عام 1993 والذي اعترفت بموجبه بإسرائيل، متنازلة عن 78% من فلسطين، متجاهلة وضع الفلسطينيين داخل ما يسمى "الخط الأخضر" ، وقضية اللاجئين وحقهم في العودة ( لم توقع القيادة الفلسطينية على التنازل عن حق العودة، لكنها أبدت تفهمها لهواجس الإسرائيليين من موضوع اللاجئين. وصرح العديد من القادة الفلسطينيين في أكثر من مناسبة بأن العودة ستكون إلى أراضي السلطة الفلسطينية). لقد قام اتفاق أوسلو على تجزئة القضية الفلسطينية أرضا وشعباً، ولم يعالج المشكلة من أساسها من حيث إن هناك شعبا اغتصبت أرضه وشرد في المنافي وبالتالي من حقه العودة إلى أرضه وتقرير مصيره عليها.

مع ذلك، وعلى رغم التنازلات الكبيرة التي قدمتها القيادة الفلسطينية، فقد أدت ممارسات اسرائيل والتغيرات التي حصلت على الأرض ( العدوان الاسرائيلي المستمر، تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، التوسع في الاستيطان، الجدار العازل، تقطيع الضفة وتهويد القدس، الفصل بين الضفة وغزة،...الخ) إلى فشل اتفاق أوسلو وحل الدولتين. الأمر الذي دعا القيادة الفلسطينية إلى التهديد بحل السلطة والدفع باتجاه حل الدولة الواحدةـ لاسيما بعد المواقف الأميركية الأخيرة ( الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، صفقة القرن).

بدائل لحل الدولتين، يدور في أوساط الفلسطينيين أكثر بكثير من أوساط الإسرائيليين

يدرك الجميع، والفلسطينيون قبل الإسرائيليين، أن تهديدات السلطة ما هي إلا زوبعة في فنجان، هدفها استجداء العودة للمفاوضات على أساس حل الدولتين؟! هذا الحل الذي  شكل تبنيه من قبل القيادة الفلسطينية خطأ استراتيجيا، وتفريطا بالحقوق الفلسطينية، وانطوى على جهل بـ / تجاهل لـ جوهر القضية الفلسطينية وطبيعة المشروع الصهيوني ودولته العنصرية.

وعليه، فإن الدعوة لتبني خيارات أخرى، كحل الدولة الواحدة أو الدولة ثنائية القومية، ليس سببها  فشل حل الدولتين، بل لأن أي حل للقضية الفلسطينية يجب أن ينطلق من وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ووحدة أرضه، ومن فهم صحيح لطبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني، ودولته العنصرية، مع الأخذ بنظر الاعتبار التغيرات التي حصلت خلال 72 عاما من عمر إسرائيل والنكبة، لا سيما منها،  الواقع الديمغرافي والاستيطاني ودرجة التداخل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن عدد الفلسطينيين قد تجاوز  13 مليونا. يعيش نصفهم ( 6.5 ملايين) في فلسطين التاريخية  والنصف الآخر في الشتات. وبحسب الإحصاءات الإسرائيلية، فقد بلغ عدد سكان إسرائيل حوالي 9 ملايين، منهم 6.8 ملايين (74%) يهود، وحوالي 2 مليون ( إسرائيليون) في فلسطين. إذا كان مطلوباً من الجميع،، فلسطينيين وإسرائيليين، التعامل بواقعية مع الوضع الديمغرافي، فإن على الإسرائيليين أيضاً، التخلي عن عنصريتهم وصهيونيتهم، والاعتراف بجريمة التطهير العرقي التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين، أصحاب الأرض الأصليين، والاعتراف، طبعاً، بحقوق الفلسطينيين بما فيها حقهم في العودة وتقرير المصير.

لا شك أن غالبية الإسرائيليين اليوم يشعرون بأن إسرائيل في ذروة قوتها وتفوقها، يدعمهم في ذلك ما آلت إليه الأوضاع الفلسطينية والعربية من انقسام وتشرذم وضعف، وموقف الإدارة الأميركية بزعامة ترامب ( الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، صفقة القرن،..إلخ)، وتهافت العديد من الأنظمة العربية على التطبيع مع إسرائيل. وعليه، لا غرابة في أن نقاش خيارات الحلول للصراع  وطرح بدائل لحل الدولتين، يدور في أوساط الفلسطينيين أكثر بكثير من أوساط الإسرائيليين، الذين باتوا أكثر يمينية وتطرفاً، ولسان حالهم يقول ما الذي يجبرنا على تقديم ما يرونه تنازلات للفلسطينيين؟ لكن ما يغيب عن بال الإسرائيليين وحساباتهم، أن الحياة لا تعرف السكون، وأن كل شيء عرضة للتغير. فالأوضاع التي يرونها اليوم تصب في مصلحتهم وتبرر تعنتهم، قد تنقلب غداً ضدهم؟ والاستقرار النسبي الذي يظنون أنهم ينعمون به، قد ينقلب كابوساً يؤرقهم؟ فطالما أن الفلسطينيين، بأعدادهم التي أشرنا لها، يعيشون فوق أرضهم، وطالما استمر حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، فإن الصراع سيبقى مفتوحاً على مصراعيه، ولن يغلق بدون حل، يرضى عنه كل الفلسطينيين، في الداخل والشتات،  ويعيد لهم حقوقهم ويستجيب لتطلعاتهم في الحرية والتحرر والعدالة والمساواة. فالتفكير الآني، هو تفكير قاصر ينم عن جهل صاحبه بقوانين الصراع، وعدم اطلاعه على التاريخ، وانعدام رؤيته للمستقبل. أما بالنسبة للداعين إلى حل نهائي ودائم للصراع، مبني على استرجاع الحقوق، واحترام حقوق الإنسان الجماعية والفردية، وتحقيق العدالة والمساواة ، فلا مناص لهم، فلسطينيين وإسرائيليين، من تبني خيار الدولة الواحدة، ديمقراطية كانت أم ثنائية القومية؟

خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية، فهو يعني إنشاء دولة واحدة، أو اتحادية، يتعايش فيها الفلسطينيون والاسرائيليون

إذا جاز تكثيف ما كتب حول كلا الخيارين، والمقارنة بينهما، أمكن القول أن خيار الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، يقوم على فكرة إنشاء دولة واحدة لجميع مواطنيها يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية. 
أما خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية، فهو يعني إنشاء دولة واحدة، أو اتحادية، يتعايش فيها الفلسطينيون والاسرائيليون، في ظل نظام ديمقراطي، يقوم على مبدأ تقاسم السلطة، بين الشعبين (القوميتين؟!)، والمساواة في الحقوق، والعدالة في توزيع الثروات. فالدولة ثنائية القومية تفترض أن تكون القومية هي المكون الأساسي للهوية بينما تعتبر المواطنة المكوّن الأساسي للهوية في الدولة الديمقراطية. في هذا السياق، يبدو مهماً التوسع في الحديث عن خيار الدولة ثنائية القومية نظراً لكونه لم يكتب عنه الكثير مقارنة مع خيار الدولة الديمقراطية.

كما أشرنا أعلاه تقوم الدولة متعددة القومية على فكرة التعايش بين القوميات وتقاسم السلطات. وتعتبر الديمقراطية، والقوانين التي تمنع سيطرة قومية على أخرى، هي الضامن للاستقرار ولمنع سيطرة قومية على أخرى. هكذا أدى غياب الديمقراطية إلى انهيار العديد من من الدول متعددة القومية، لعل أبرزها الاتحاد السوفييتي، ويوغسلافيا التي تفككت إلى 6 دول. بينما نجحت الدول، التي اعتمدت النظام الديمقراطي، في الحفاظ على استقرارها واستمرارها كسويسرا التي تتكون من 26 إقليما فيدراليا وتنتشر فيها أربع لغات هي الألمانية (ينطق بها 17 كانتونا تشكل 65% من السكان) الفرنسية (4 كانتونات يشكلون 18%) والإيطالية (كانتون واحد يشكل 10%) اضافة إلى اللغة الرسمية (الرومانية). وكذلك بلجيكا التي تتكون من إقليمين هما الفلمندي الذي يشكل 60% من السكان ويتكلمون باللغة الفلمنكية (الهولندية البلجيكية) والألوني الذي يشكل سكانه 40% ويتكلمون الفرنسية.                                                 

في أعقاب وعد بلفور 1917، عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وانطلاقاً من القناعة بأن موازين القوى والوضع الديمغرافي في فلسطين يميل بشكل كبير لصالح الفلسطينيين،  ظهرت دعوات من قبل  بعض النخب اليهودية لاستلهام التجربة السويسرية الاتحادية الفيدرالية من أجل اقامة دولة ثنائية القومية لليهود والفلسطينيين. وبتأثير الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 التي تفجرت ضد الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية الاستيطانية، حاولت بريطانيا امتصاص غضب الفلسطينيين، والتراجع عن فكرة اقامة وطن قومي مستقل لليهود، فأصدر وزير المستعمرات البريطاني عام 1939 وثيقة أطلق عليها" الكتاب الأبيض"، استندت إلى فكرة الدولة ثنائية القومية، ودعت إلى إقامة وطن قومي لليهود ضمن الدولة الفلسطينية، وبإدارة مشتركة فلسطينية يهودية. وقد قوبلت هذه الوثيقة بالرفض من قبل الحركة الصهيونية.

ازدياد أعداد المعارضين لحل الدولتين والداعين إلى تبني خيارات بديلة

منذ قيام دولة إسرائيل وحتى الآن لم يعد خيار الدولة ثنائية القومية يثار في الأوساط الاسرائيلية إلا ما ندر. ويعود تفسير ذلك إلى الأسباب نفسها التي أفشلت حل الدولتين، ناهيك عن أن خيار الدولة ثنائية القومية يتعارض في جوهره مع المشروع الصهيوني، ويقوض الأسس التي قامت عليها إسرائيل. لقد جاء تبني الكنيسة الاسرائيلي لقانون القومية 19 تموز  2018  ليؤكد على تمسك أصحاب القرار في إسرائيل بالمشروع الصهيوني التوراتي، وتنكرهم المطلق لأي حق من حقوق الفلسطينيين، وليقول بأن إسرائيل قد وصلت اليوم إلى أعلى درجات الدولة العنصرية.  

أما على الصعيد الفلسطيني، لاسيما في أوساط النخب السياسية والثقافية،  فيلاحظ ازدياد أعداد المعارضين لحل الدولتين والداعين إلى تبني خيارات بديلة. وهم يتوزعون بين مؤيد لحل الدولة الواحدة الديمقراطية، ومؤيد لحل الدولة الواحدة ثنائية القومية.  

في دراستة المنشورة في مجلة الدراسات الفلسطينية ( العدد41 شتاء 2000) ، يقول أسعد غانم: "الخيار اﻟﻮﺣﻴﺪ المتبقي ﻟﺘﺴﻮﻳﺔ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﺑﻴﻦ اﻟﻴﻬﻮد واﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ ﻫﻮ إﻧﺸﺎء دوﻟﺔ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴ ﺔ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻴﻊ أراﺿﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ/ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ، ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺗﻴﺒﺎت ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺑﻴﻦ اﳉﻤﺎﻋﺘﻴﻦ ﺿﻤﻦ ﻧﻈﺎم ﺳﻴﺎﺳﻲ واﺣﺪ. وﰲ إﻃار ﺛﻨﺎﺋﻲ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ، ﻓﻠﺴﻄﻴﻨﻲ، إﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ. ﺳﻴﻜﻮن اﻻﻧﻘﺴﺎم اﻹﺛﻨﻲ/ اﻟﻘﻮﻣﻲ، الفلسطيني/ الاسرائيلي، عنصراً بنيوياً هاماً في النظام السياسي. وﺳﻴﻜﻮن ﻫﺬا ﻗﺎﺋﻤﺎ ﻋﻠﻰ أرﺑﻌﺔ ﻣﺒﺎدئ ﻣﻦ اﻻﲢﺎدﻳﺔ: اﺋﺘﻼف واﺳﻊ ﺑﻴﻦ الممثلين اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ ﻟﻠﻴﻬﻮد واﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ؛ ﺣﻖ اﻟﻨﻘﺾ المتبادل لممثلي الجماعتين ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ بالمسائل اﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ والجوهرية؛ ﻣﺒﺪأ اﻟﺘﻤﺜﻴﻞ اﻟﻨﺴﺒﻲ ﻓﻴﻤﺎ يتعلق بتوزيع المنافع الاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً ﰲ اﳌﺆﺳﺴﺎت اﻟﺴﻴﺎسية واﻟﻌﺎﻣﺔ؛ درﺟﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻣﻦ اﻻﺳﺘﻘﻼل اﻟﺬاﺗﻲ ﻟﻜﻞ ﳎﻤﻮﻋﺔ ﰲ إدارة ﺷﺆوﻧﻬﺎ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ". 

يقارن أسعد غانم بين خياري الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة ثنائية القومية بالقول أن الأولى تقتضي "اﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻦ اﻻﻧﺘﻤﺎء اﻟﻘﻮﻣﻲ ﻛﻌﻨﺼﺮ رﺋﻴﺴﻲ ﰲ ﺗﻨﻈﻴﻢ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﺑﻴﻦ اﳌﻮاﻃﻨﻴﻦ ﰲ اﻟﺪوﻟﺔ اﳌﺴﺘﻘﺒﻠﻴﺔ، ﻛﻤﺎ تتضمن التركيز ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻟﺸﺨﺼﻲـ اﳌﺪﱐ ﻛﻬﺪف أﻋﻠﻰ، ﻳﻤﻠﻲ اﳌﻮاﻗﻊ واﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﺪوﻟﺔ وأﻋﻀﺎء اﳉﻤﺎﻋﺎت، وﺑﻴﻦ أﻋﻀﺎء اﳉﻤﺎﻋﺎت ﺑﺼﻮرة ﻣﺒﺎﺷﺮة" بينما، وبحسب غانم، "ﺗﻘﻮم اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻣﺒﺪأ اﻻﻋﺘﺮاف ﺑﺎﳉﻤﺎﻋﺘﻴﻦ اﻟﻘﻮﻣﻴﺘﻴﻦ، وأﺧﺬ ذﻟﻚ ﰲ اﳊﺴﺒﺎن ﻛﻌﻨﺼﺮ رﺋﻴﺴﻲ ﰲ ﺗﺮﺗﻴﺐ اﻟﻌﻼقات داخل الدولة". 

وفي معرض رده على أنصار حل الدولتين الذين يرون أن حل الدولة ثنائية القومية يجهض المشروع الوطني الفلسطيني يؤكد غانم على" أن  اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﻟﻴﺴﺖ إﺟﻬﺎﺿﺎ لفكرة المشروع  اﻟﻮﻃﻨﻲ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ، وإﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﻟﻪ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺸﻤﻞ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ ﰲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ، وﻳﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻣﻞ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ اﻻﻧﺘﺪاﺑﻴﺔ، ﻣﻊ اﻷﺧﺬ ﰲ اﳊﺴﺒﺎن أن المجموعات القومية الأخرى، اﻟﻴﻬﻮد، ﺗﺴﺘﺤﻖ اﻟﺪرﺟﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻦ المكانة "  مبيناً معوقات تطبيق حل الدولتين، وصعوبات الفصل بين الدولتين والشعبين، مشيراً  إلى أن إسرائيل غير مستعدة لتقديم الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية ذات العلاقة بهذا الحل. وهو إذ يؤكد على أن إسرائيل ترفض أيضاً خيار الدولة ثنائية القومية، يخلص إلى أن "حل الدولة ثنائية القومية ليس مطروحاً كي يتم تسويقه حالا، وإنما يجب أن يطرح كحل بعيد المدى". فبحسب غانم " لا يتطلب ﺗﻄﻮﻳﺮ وﺗﻨﻔﻴﺬ ﻓﻜﺮة ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﻣﻮاﻓﻘﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﰲ هذه  اﳌﺮﺣﻠﺔ، وإﻧﻤﺎ ﻣﻮاﻓﻘﺔ ﻓﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ وإﺳﺮاﺋﻴﻠﻴﺔ ﰲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﳌﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻤﺘﺪ ﻋﺸﺮات اﻷﻋﻮام".

لكن غانم، وفي سياق نقده لحل الدولتين الذي يتجاهل حق اللاجئين في العودة، يعالج هذه المسألة بطريقة لا تختلف كثيراً عن طريقة معالجتها من قبل أنصار حل الدولتين، من حيث الدعوة إلى تطبيق جزئي لحق العودة؟! إذ يقول" وﺑﻤﺎ أن إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻗﺎﻣﺖ ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻫﺠﺮة ﻣﻼﻳﻴﻦ اﻟﻴﻬﻮد إﻟﻴﻬﺎ ﻣﻨﺬ ﺳﻨﺔ 1948 ﻓﻴﺠﺐ أن يسمح ﰲ إﻃﺎر اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ ﺑﺄن ﻳﻘﻮم ﻣﺌﺎت اﻵﻻف ﻣﻦ اﻟﻼﺟﺌﻴﻦ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ ﺑﺎﻟﺮﺟﻮع إﱃ ﻗﺮاﻫﻢ، أو ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ إﱃ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻗﺮﻳﺒﺔ ﻣﻦ ﻗﺮاﻫﻢ اﻷﺻﻠﻴﺔ".

فكرة الدولة متعددة القوميات، بأشكالها المتنوعة، قد طبقت وحققت نجاحاً في أكثر من مكان

أما المسألة التي يطرحها أسعد غانم وربما تكون مثار خلاف مع أنصار الدولة ثنائية القومية أنفسهم، فهي دعوته أن يؤخذ بالحسبان أن إقامة الدولة ثنائية القومية" ﻫﻮ إﻗﺮار ﺑﺄن ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ اﻟﺸﻌﺐ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺑﺎﻗﻲ اﻟﺸﻌﻮب اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، وﻻ ﻳﺘﻨﺎﺳﻖ ﻣﻊ ﻓﻜﺮة اﻟﻮﺣﺪة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻟﺘﻜﺎﻣﻞ اﻟﻌﺮﺑﻲ، وإﻧﻤﺎ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻠﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ اﻟﻘﺒﻮل ﺑﻬﻮﻳﺔ واﻧﺘﻤﺎء ﻳﺘﻼءﻣﺎن ﻣﻊ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﻘﻮﻣﻴﺔ، ﻣﻊ ﻋﺪم إﻏﻔﺎل ﺿﺮورة اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻟﻔﻜﺮي واﳊﻀﺎري، وﻟﻴﺲ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، ﻣﻊ اﻟﻌﺎﱂ اﻟﻌﺮﺑﻲ". حول هذه المسألة، وفي الرد على منتقدي غانم، ربما يطرح أحدهم السؤال التالي: أليست الدولة القطرية هي السائدة في المنطقة العربية اليوم؟ 
كنا قد أشرنا إلى أن  فكرة الدولة متعددة القوميات، بأشكالها المتنوعة، قد طبقت وحققت نجاحاً في أكثر من مكان( سويسرا، بلجيكا،..الخ). إذن، فالمشكلة لا تكمن في مبدأ خيار الدولة ثنائية القومية، ولا في كيفية إدارة الدولة، وتقاسم السلطات،  ولا في تعدد اللغات، واحترام الثقافات، ولا حتى، ربما، في اسم هذه الدولة، وإنما في كون اعتمادها كخيار، يعني اعترافاً بأن اليهودية هي قومية، وتسليماً بمشروعية المشروع الصهيوني في فلسطين؟!. الأمر الذي يطرح مجموعة من الاشكاليات، كعلاقة اليهود خارج فلسطينين بالدولة ثنائية القومية، وكيفية كتابة تاريخ هذه الدولة، و...الخ.

مع ذلك، وعلى رغم ما يبدو من، وما كتب عن، فروقات بين خيار الدولة الواحد الديمقراطية وخيار الدولة ثنائية القومية، إلا أن ثمة قواسم مشتركة بينهما، لعل أهمها، اقامة دولة واحدة، ديمقراطية، يعيش فيها الفلسطينيين والاسرائيليين، تحقق العدالة والمساواة بين جميع مواطنيها، وتحترم الانتماءات القومية والفكرية والدينية. ويمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول، بأن خيار الدولة ثنائية القومية، قد يتحول في حال تطبيقه، وفي لحظة تاريخية معينة، إلى خيار الدولة الواحدة الديمقراطية؟

مما لا شك فيه، أن المجتمع الاسرائيلي، الذي يزداد تطرفاً ويمينية، لم ينضج بعد من أجل التعاطي مع تلك الخيارات. وأن الوقائع على الأرض، وتعديل موازين القوى بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والمتغيرات على الساحة العربية والاقليمية والدولية، هي التي ستفعل فعلها في الدفع باتجاه أحد الخيارين، أو ربما، باتجاه خيار ثالث ينتج عن الدمج بينهما؟ مع ذلك، لا بد من العمل على توسيع دائرة المؤيدين لتلك الخيارات، من الفلسطينيين والاسرائيليين، وكسب الداعمين لها في العالم، وذلك من من خلال الحوارات والندوات والمحاضرات والنشاط في وسائل الاعلام.