هل تقود "بوكاهونتاس" الديمقراطيين في المواجهة مع ترامب؟

هل تقود "بوكاهونتاس" الديمقراطيين في المواجهة مع ترامب؟

02 سبتمبر 2019
الصورة
تقدمت وارن كثيراً في الفترة الأخيرة (جو إيديلسون/فرانس برس)
+ الخط -

تبرز مؤشرات على بداية التفاف القاعدة الليبرالية الأميركية حول السيناتور إليزابيث وارن، في وقت بدأت فيه الانسحابات تتوالى بين زملائها مرشحي الرئاسة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وبالتزامن مع الهفوات المستمرة لحملة نائب الرئيس السابق جو بايدن. هل ستتمكن وارن، التي يلقّبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"بوكاهونتاس"، من توفير إجماع حولها بين التيارين اليساري والوسطي لتقود الليبراليين في انتخابات مصيرية ضد الجمهوريين العام المقبل؟ خلال الفترة الماضية كانت حملة وارن الرئاسية تسير من دون أخطاء وتعيش فترة "شهر عسل"، فالنظرة إليها بأنها حليفة درجة ثانية للمرشح الرئاسي اليساري السيناتور بيرني ساندرز، وبالتالي كان تركيز كل المرشحين على بايدن لتقليص صدارته في السباق بين الديمقراطيين. لكن من دلالات صعود وارن هو انتقال تركيز المنافسين عليها لوقف هذا الزخم الشعبي المحيط بها، وهذا يعني بدء تسليط الضوء على نقاط ضعفها وكل ما يثير الجدل في مسيرتها.

وارن (70 عاماً) هي حالياً نجمة الديمقراطيين الصاعدة، مهرجاناتها الانتخابية في أنحاء الولايات المتحدة تجتذب عشرات الآلاف من المناصرين الباحثين عن زعامة جديدة للحزب الديمقراطي، لأن ترشيح المؤسسة التقليدية التي يمثلها بايدن لم يقنعهم بعد. هذا الالتفاف المبكر حول مرشحة أو مرشح رئاسي غير مسبوق، باعتبار أن معركة الانتخابات التمهيدية لن تبدأ عملياً قبل بداية العام المقبل، لكنه دليل على أن الناخب الديمقراطي لديه حشرية أو اهتمام بالتعرف عليها وعلى برامجها. الإعلام الأميركي أيضاً بدأ يعطيها حيزاً أكبر في التغطية وهناك شخصيات إعلامية ليبرالية بارزة بدأت تسلط الضوء عليها، لا سيما من فريق الرئيس السابق باراك أوباما. على الرغم من أنها لا تزال في المركز الثالث في استطلاعات الرأي، لكن هذا الزخم الذي يحملها قد يغير تدريجياً دينامية المعركة بين الديمقراطيين نحو سيناريو محتمل لسباق ثلاثي بين وارن وبايدن وساندرز في الأشهر المقبلة. اللافت أن ساندرز أيضاً يجتذب جماهير كبيرة إلى مهرجاناته الانتخابية، وهذا دليل على أن الزخم والحماس في هذه الانتخابات التمهيدية هي للقاعدة اليسارية. أما بايدن، الذي يتصدر السباق بين الديمقراطيين، فأعداد المشاركين في مهرجاناته محدودة، وهذا قد يعود إلى أن اسمه معروف منذ عقود في السياسة الأميركية، وبالتالي ليست هناك حشرية كافية لحضور مهرجاناته الانتخابية.

وارن كانت أستاذة جامعية في كلية الحقوق متخصصة في قانون الإفلاس والتمويل الشخصي للطبقة المتوسطة، انتخبت كأول امرأة سيناتور عن ولاية ماساشوستس ذات الأغلبية الديمقراطية في نوفمبر/تشرين الثاني 2012. وكشف موقع "بلومبرغ" أخيراً عن مقطع من كتاب لها نشرته مع ابنتها عام 2005 تنتقد فيه أسلوب رجل الأعمال دونالد ترامب الذي يبحث عن الإثراء السريع. هذا الكتاب يعكس كيف بقيت وارن وفية لأفكارها في تلك المرحلة ولم تغير نظرتها إلى الاقتصاد بعد وصولها إلى الكونغرس.


أعطاها ترامب، تهكماً، كنية "بوكاهونتاس" (وهي من السيدات البارزات في تاريخ الأميركيين الأصليين) لأنها ادّعت العام الماضي أن نتيجة اختبار الحمض النووي لها أظهر أنها من السكان الأميركيين الأصليين، لكن هذا الأمر لم يكن صحيحاً، وهذه القضية قد تلاحقها في السباق الرئاسي كواحدة من نقاط ضعف ترشيحها عبر التشكيك في مصداقيتها. الحزب الجمهوري أصدر مذكرة هجومية في 19 أغسطس/آب وصف فيها وارن بأنها "100 في المائة كاذبة" في ما يبدو أنه بداية استشعار جمهوري من احتمال صعودها الانتخابي.

شعار وارن الذي تكرره أن "لديها خطة" لكل شيء. هذه الخطط ستخضع أكثر لتدقيق وانتقادات الإعلام ومنافسيها الديمقراطيين خلال المرحلة المقبلة، كما سينبش منافسوها تاريخها الشخصي والمهني بحثاً عن ثغرة ما لتسليط الضوء عليها، وبالتالي الاستعدادات جارية لإطلاق السهام عليها إذا سنحت الفرصة خلال المناظرة الرئاسية بين الديمقراطيين في 12 سبتمبر/أيلول الحالي. الممثلة سوزان ساراندون، من أبرز مؤيدي ساندرز، كسرت أخيراً اتفاق عدم تبادل الهجمات بين ساندرز ووارن، ولمّحت في مهرجان انتخابي إلى أن السيناتور عن ماساشوستس أخذت تبرعات انتخابية من "وول ستريت". ليس واضحاً بعد إذا ما ستتحول الدينامية بين وارن وساندرز إلى حملات متبادلة تؤدي إلى انقسامات بين اليساريين، أو سيستمر الطرفان في تفادي الهجمات المباشرة بينهما. الهمس ضد وارن ازداد أخيراً في الإعلام عبر وصف خططها بأنها مكلفة للخزينة الأميركية مثل فكرة "الرعاية الطبية للجميع" وأنها أستاذة جامعية ثرية من جامعة هارفرد لا يمكنها تحدي "حيتان المال"، أي محاولة تشويه صورتها على أنها تمثل الطبقة العاملة في المجتمع الأميركي. وقد تكون هناك محاولة من منافسيها الديمقراطيين للتذكير بأنها كانت مع الجمهوريين قبل عام 1996 لكن هذا قد يرتد عليهم، لا سيما أن هناك اتجاهاً ديمقراطياً لاستيعاب الجمهوريين المعتدلين الذين أبعدهم ترامب عن حزبهم، وبالتالي لدى وارن قدرة على اجتذاب أصوات جمهورية معتدلة في الانتخابات العامة.

لكن التحدي أمام وارن هو ترجمة الاهتمام الشعبي الكبير في صناديق الاقتراع واحتواء الهجمات الآتية على حملتها لتثبت أن حملتها الرئاسية جدية ولتفادي سقوط محتوم بعد صعود مؤقت. تكثيف الحملات عليها خلال المرحلة المقبلة قد يكون لصالحها إذا استوعبت هذه الهجمات، ما قد يساعدها على تبرير أهمية ترشيحها في مواجهة ترامب، لا سيما أنها تحمل خطاب الطبقة المتوسطة وقادرة على استقطاب الصوت النسائي الكتلة الأكبر عددياً في الحزب الديمقراطي. خطورتها بالنسبة إلى المرشحين الآخرين أنها قادرة على اجتذاب مرشحين من التيارين اليساري والوسطي، أي قادرة على توحيد الليبراليين حولها، على غرار أوباما، على الرغم من أنها تفتقد الكاريزما نفسها. "بوكاهانتاس" قد تكون قنبلة صوتية عابرة أو قد تتحول إلى اسوأ كوابيس ترامب خلال الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

المساهمون