هل تغيرت قواعد سوق النفط العالمية؟

23 ابريل 2020
الصورة
قبل شهر ونصف الشهر، بدا العالم مختلفا تماما، حين اعتقدت كل من الرياض وموسكو، المتنافستين، أن الواحدة منهما تمتلك من المزايا ما يمكّنها من تحمّل آلام مواجهة الأخرى في حرب مسعورة على أسعار النفط. تهوُّر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي ورّطه بالأمس واليوم في مغامراتٍ غير محسوبة؛ التعصب القومي للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في مواجهة التهديدات الذي يذهب به بعيدا عن الهدوء والديبلوماسية؛ عدم امتلاك إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استراتيجية متماسكة، ذلك كله أدّى إلى تعميق الأزمة الاقتصادية والانقسام السياسي العالمي، وربما يعيد إنتاج قواعد السوق العالمية التي بدأت تتشكل بعض ملامحها. 

تنافست روسيا والعربية السعودية على زيادة إنتاج النفط، ومع مزيد من الشلل في الاقتصاد العالمي، بعد حالات الإغلاق التي أصبحت نهجا عالميا في مواجهة تفشّي فيروس كورونا، بقيت الرؤية ضبابية بشأن استعادة التوازن إلى أسواق النفط، حتى بعد الاتفاق الذي توصل إليه أعضاء "أوبك بلس" وحلفاؤها في 12 من الشهر الجاري (إبريل/ نيسان) لخفض الإنتاج الذي مثّل أكبر صفقة لتخفيض الإنتاج النفطي في التاريخ. بموجب الصفقة، تم الاتفاق على أن تخفض "أوبك بلس" سقف إنتاجها خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2020 بنحو 10% من حجم الإنتاج العالمي، وتضامن مع "أوبك بلس" منتجون آخرون، بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية، ليعلنوا تخفيض سقف إنتاجهم بنحو عشرة ملايين برميل يوميا، وبذلك يكون إجمالي التخفيض المنتظر نحو 20% من حجم الإنتاج العالمي.
لم تكن الصفقة بشكلها الحالي كافية، على الرغم من تحقيقها استقرارا محدودا للأسعار، إلا أن 
انخفاض الطلب كان يسير باتجاه 30% حتى مايو/ أيار المقبل موعد تنفيذ الاتفاق، ما يعني استمرار وجود فائض بمقدار عشرة ملايين برميل يوميا. ولم تعد أسعار النفط تتعلق فقط بإمكانية الاستهلاك، بل برزت اليوم أهمية توفر إمكانية لتخزينه، ريثما يتم تخفيف عمليات الإغلاق التي فرضها تفشّي فيروس كورونا بما يكفي لتوليد بعض الطلب الإضافي على المنتجات النفطية. وللحفاظ على ما تم التوصل إليه في إطار "أوبك بلس"، توجّهت دول مثل أميركا والهند إلى توظيف آلية المخزون الاستراتيجي، لامتصاص جزءٍ من المعروض الفائض في الأسواق. القلق من قصور الطاقة التخزينية دفع المنتجين إلى دفع الأموال للمشترين، للتخلص مما بين أيديهم من براميل نفط، واضطرّت شركات النفط لاستئجار ناقلات لتخزين الفائض، ما أدى إلى تدهور أسعار العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي إلى أقل من صفر دولار، مع إقبال المتعاملين على البيع بكثافة، بسبب امتلاء سريع لمنشآت التخزين في المركز الرئيسي للتسليم في كاشينج في ولاية أوكلاهوما.

توصّلت الرياض وموسكو إلى تسوية بشأن التخفيضات المستقبلية للإنتاج، كجزء من مجموعة "أوبك بلس" التي تأسست في 2016، واستندت إلى اقتصاديات السوق البسيطة الممثّلة بالاتفاق على تقييد العرض في محاولةٍ للحفاظ على أسعار مرتفعة. حقق ذلك نجاحا جزئيا، وارتفعت أسعار النفط من 27 دولارا للبرميل عام 2016 إلى أكثر من 60 دولارا للبرميل بنهاية عام 2019. ومع أن القيود المفروضة على الإنتاج الروسي من النفط في إطار "أوبك بلس" لم تتناسب ومصالح شركات النفط الروسية (في مقدمها "روسنفت" التي وجدت في شروط "أوبك بلس" عائقا أمام تطويرها حقول نفطية جديدة في القطب الشمالي) خدم الاتفاق روسيا طوال ثلاث سنوات، وجلبت تخفيضات الإنتاج لروسيا 120 مليار دولار. ولكن مع بدء انخفاض الطلب، في وقت مبكر من هذا العام، تراجعت الأسعار، وطالبت السعودية بتخفيضاتٍ إضافية قدرها مليون ونصف المليون برميل. احتدّت المواجهة في ظل تلكؤ روسي، وهدّدت السعودية بإغراق الأسواق بالنفط الرخيص، إذا لم توافق روسيا على جولة جديدة من التخفيض. في هذا الوقت، كان انتشار الوباء في الصين يضغط على سلاسل التوريد، ويقلل الناتج الاقتصادي العالمي، ورأت روسيا أن الحد ّمن الإنتاج للحفاظ على أسعار مرتفعة عديم الجدوى، وأن قيود "أوبك بلس" تعطي ميزة تفضيلية لصناعة النفط الصخري الأميركي، ما يشكل تهديدا استراتيجيا لروسيا، فنظرت إلى السعودية بوصفها تخوض ضدّها حربا أميركية بالوكالة.

سعى رئيس شركة "روسنفت" النفطية العملاقة، إيغور سينتشين، إلى إقناع بوتين بأن روسيا تحتاج لضرب صناعة النفط الأميركي والميزانية السعودية، مستغلةً أكثر اللحظات إيلاما وأكثرها ملاءمة؛ لحظة تباطؤ الطلب على النفط. وبعد انسحاب روسيا من "أوبك بلس"، ردّت السعودية 
بزيادة الإنتاج بأسعار مخفّضة، فتراجعت أسعار النفط 30%، وفقد الروبل 10% من قيمته أمام الدولار، واعتقدت روسيا أن في وسعها مواجهة السعودية وصناعة النفط الصخري الأميركي بحوالي 560 مليار دولار، جمعتها من الصناديق السيادية الاحتياطية. عاث "كوفيد – 19" فسادا بالاقتصاد العالمي، وبفضل حالة الإغلاق العالمية التي فرضها الوباء، انخفض الطلب على النفط بشكل حادّ، وعانت روسيا من صدمة إمداد لم تقل خطورةً عن صدمة الإغراق السعودي.

كذلك، ارتفعت المديونية الخارجية السعودية بشكل كبير، وأعلنت "أرامكو" التفاوض مع مجموعة بنوك للحصول على قرض بقيمة عشرة مليارات دولار، من أجل الوفاء بحصتها في الاستحواذ على شركة سابك، فضلا عن الآثار السلبية على الاقتصاد السعودي بسبب أزمة كورونا. تضرّرت صناعة النفط الصخري الأميركي، وبدا أن الجميع خاسر في هذه الحرب. ضغطت الولايات المتحدة على كل من روسيا والسعودية للعودة إلى طاولة المفاوضات، وإبرام الصفقة الأخيرة في وقت سابق من شهر إبريل/ نيسان الجاري. وعلى الرغم من أن شروط الصفقة الحالية تحدّ من إنتاج روسيا النفطي بأكثر مما فعلت الصفقات السابقة، والتي رفضت روسيا إبرامها، إلا أن موسكو ضمنت أن واشنطن لم تعد منافسا، إنما تتقيد، هذه المرّة، بتعهدات والتزامات تتعلق بخفض الإنتاج.

إلى جانب توجه الأداء السياسي العالمي نحو مزيد من التكامل بدل المنافسة، فإن تجاوز أزمة كورونا يبدو العامل المستقل في عودة النشاط للاقتصاد العالمي، وتحقيق التوازن في أسواق النفط. مع ذلك، أخطأت السعودية وروسيا حين ظنتا أنهما تمتلكان مفاتيح اللعبة وخيوطها كاملة، بوصفهما في مقدمة الدول المنتجة للنفط في العالم، والمتحكمتين بمعادلة أسعار النفط، فقد برهنت الأزمة الحالية، بأبعادها السياسية والاقتصادية والصحية، أننا أمام سوقٍ يتحكّم فيها المستهلكون بما يفوق قدرة المنتجين على التحكّم بتوازناتها وفق مصالحهم الخاصة. تغيّرت قواعد اللعبة، والسوق اليوم أكثر موضوعية؛ يتعاظم فيها دور آبار النفط الطبيعية على حساب الطاقة التخزينية، ودور الاستهلاك على حساب الإنتاج، ودور الطلب على حساب العرض.