هل تعود دورة الكساد التضخمي؟

18 يناير 2018
الصورة
صارت العلاقة بين التضخم والبطالة طردية(Getty)
أصدر صندوق النقد الدولي، أخيراً، قراءة جديدة لتوقعات النمو العالمي، أكد فيها أن معدل النمو المتوقع لعام 2018 سوف يصل إلى 3.2%. وهذه نسبة جيدة في عمومها إن صحّت، لكن نصيب الاقتصادات العربية منها قليل.
فالدول العربية لن يصل معدل النمو فيها إلى أكثر من 2.5%، على أحسن الأحوال، مع تفاوت كبير بين قُطر وآخر. ولعل دولاً مثل مصر، والإمارات، وقطر، والمغرب، والجزائر، وربما العراق والسودان، ستصل معدلات النمو فيها إلى ما فوق 3%، أما الباقون فسوف يكون معدل النمو أقل من ذلك.

وفي نقاش قانون الموازنة الأردنية العامة للعام 2018، أثار نائب رئيس مجلس الأعيان ورئيس الوزراء الأسبق، سمير الرفاعي، احتمالية أن يمر الاقتصاد الأردني، خلال العام 2018، بدورة الكساد التضخمي ، أو التباطؤ التضخمي. وأعتقد أن هذا المصطلح يستحق التوقف عنده، ودرس احتمال أن يمر الاقتصاد الأردني خلال العام 2018 بدورة الكساد التضخمي، أو التباطؤ التضخمي.
بعد فورة النفط في السبعينيات، مر الاقتصاد العالمي باستثناء الدول المصدرة للنفط، بفترة تباطؤ وأحياناً انكماش اقتصادي، مصحوباً بارتفاع كبير في الأسعار، والسبب أن ارتفاع سعر النفط أدى إلى رفع كلف الإنتاج من دون زيادة في فرص العمل، بل أدى تباطؤ الطلب إلى استقرار الأجور النقدية، وتراجع الأجور الحقيقية، بفعل التضخم.

وبسبب ارتفاع التكاليف، وتراجع الطلب، أدى ذلك إلى زيادة نسب البطالة، وهكذا صارت العلاقة بين التضخم والبطالة إيجابية طردية، أي أن زيادة أحدهما تؤدي إلى زيادة الآخر.
وكان الاقتصادي البريطاني، فيليبس، قد أجرى بحثاً إحصائياً عن بريطانيا، أكد فيه أن إحصاءات الستين سنة التي سبقت نشر المقال عام 1959، كشفت أن العلاقة بين التغير في البطالة والتغير في التضخم سالبة عكسية. أي أن زيادة البطالة تعني تراجعاً في معدلات التضخم، وأن الزيادة في التضخم تعني تراجعاً في معدل البطالة.

وقد تبنت بعض الدول سياساتٍ تصحيحيةً تعتمد على منحنى فيليبس، حيث سمحت بارتفاع الأسعار، للتخلص من بعض البطالة، أو سمحت بزيادة البطالة لتقليص الارتفاع في الأسعار.
ولذلك أضحت دورة التباطؤ التضخمي محيرة.
وقد تصدّى لتفسيرها اقتصاديون، أمثال البريطاني ميد، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، فريدريك فون هايك. ولكن الظاهرة اختفت، بعد استقرار أسعار النفط والمواد الخام، حتى إبان الفترة التي سبقت الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث وصل سعر برميل النفط إلى ما يقارب 140 دولاراً، حدا أعلى.

ولم يحصل تضخم، لأن العالم كان قد اكتسب خبرة في هذا الأمر، ما أدى بالبنوك المركزية إلى خفض أسعار الفوائد، وإذكاء نار المضاربة على السلع والأوراق المالية.
أما الدول العربية، فتعاني من ارتفاع أسعار المواد، حيث إن كثيراً منها، بفعل الفتن والحروب، أو بسبب زيادة مستورداتها، أو بسبب ارتفاع الدولار خلال العامين 2016 و2017، أو بسبب هبوط وارداتها الخارجية، وزيادة اعتمادها على الموارد الداخلية، فقد نتج عن هذا هبوط في الاستثمار ومعدلات النمو، وزيادة في الأسعار، من دون أن تتحسن صورة التوظيف، حيث تظل معدلات البطالة ثابتة أو تزيد تدريجياً.

أما الأردن، الذي جنّب نفسه الويلات الاقتصادية الناتجة عن مشاركته في حروب دامية لا طائل منها ولا فائدة، فقد عانى من نقص موارده المالية. وحيث إن صندوق النقد الدولي يطالب الأردن بتخفيض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي فاقت 95% خلال عام 2017، قد وجد نفسه يخلق أزمة تمويل خانقة للقطاع الخاص وقطاع الأسر، ما قلل من قدرتها على الطلب. ولكن عودة أسعار الفائدة إلى الارتفاع، مع ارتفاعها على الدولار، وارتفاع التكاليف، والتعثر في خدمات التعليم والصحة، والنقص في خدمات النقل العام، قد أثقلت كاهل موازنات الشركات والأسر والأفراد.

ولذلك، تراجع الطلب، وزادت البطالة، وقلت المساعدات، ما جعل المقام (أو الناتج المحلي الإجمالي) يزيد بنسبة متواضعة، بينما زاد العجز في الموازنة، وزاد بالطبع معها حجم الدين العام، بنسبة أعلى قليلاً من الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي.
وقد تعاني دول الخليج والدول المصدرة للنفط من ظاهرة الغلاء والتباطؤ الاقتصادي. وذلك لأن تحسين الموازنات العامة، في الدرجة الأولى، يأتي على حساب زيادة الضرائب والرسوم وإلغاء الدعم، ما يسبب ارتفاعاً في الأسعار، وتراجعاً في مداخيل الأفراد والأسر، فيقل الإنفاق على الاستهلاك، وكذلك يحصل تطور داعم لذلك في سوق النقد، حيث ترتفع كلف الاقتراض، ما يؤثر على الطلب على السلع الدائمة والعقار. وهكذا، يحصل تراجع في الإنفاق على الاستهلاك والاستثمار، وتقل فرص العمل، وتتراجع معدلات النمو.

إذا تأكدت هذه التوقعات، فإن هذا سينطوي على صعوبات في إدارة الاقتصاد، حيث إن الأدوات التصحيحية المطلوبة لتصويب هذه الدورة، أو اختزالها من جانبين (التضخم والبطالة) إلى جانب واحد، يجعل مهمة التصدّي لها بالوسائل النقدية والمالية أسهل بكثير من مهمة التصدي للدورة المعقدة ذات القرنين.
وبالطبع، فإن التصحيح غير إعادة الهيكلة، فالغلاء المستمر، ممثلاً بارتفاع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة، لا يصحح عن طريق زيادة البطالة، لأن البطالة ترتفع أصلاً.

وإذا أردنا إيجاد فرص عمل عن طريق زيادة الإنفاق العام، فإن هذا قد يوجد فرص عمل إضافية، لكن زيادة الاستهلاك لن تحصل إلا إذا وسعنا العجز في الموازنة، وهذا بحد ذاته يتطلب تصحيحاً.
ولا تنتهي المشكلة عند هذا الحد، بل إن المطلوب المواءمة بين سياسات التصحيح قصيرة الأجل وإعادة الهيكلة طويلة الأجل، فاستمرار التضخم في المدى القصير يعكر صفو الهيكلة من ناحيتين؛ الأولى أن التضخم يفيد الموازنة الحكومية، ويقلل من رفاهية الأفراد، ويتسبب في نقل الأموال من أصحاب الدخول الثابتة، كالموظفين والعمال، إلى أصحاب الدخول المتغيرة أصحاب العمل.

والسبب الثاني أن الخلل في المدى القصير سيؤثر على برامج الإصلاح في القطاع العام، وفي إعادة تطوير الاقتصاد بعيداً عن الاقتصاد الريعي الرفاهي الذي تتبناه الحكومات العربية، لكن التضخم يجعل الاستمرار في زيادة الاعتماد على الذات صعباً سياسياً، والناس ترى مداخيلها تتآكل بعد التضخم والبطالة.
آن الأوان أن تُدرس هذه الظاهرة، وأن يجرى لها نقاش عام، حتى تتعاون الدول في اتخاذ الإجراءات التي تضمن عدم تعميق هذه الظاهرة، ومنعها من أن تتمكّن من هيمنة نفسها على السلوك الاقتصادي، فهي مثل نبتة الهالوك التي تأكل الغذاء في التربة، ما يمنع النباتات المفيدة من أن تنمو، وتفي بالحاجات الإنسانية.