هل ترحّل تركيا السوريين من إسطنبول؟

20 يوليو 2019
الصورة
سوريون في فرن امتلكوه بإسطنبول (بولنت كيليتش/ فرانس برس)

في وقت تؤكّد فيه السلطات التركية أنّها معنية بضمان سلامة اللاجئين السوريين على أرضها والحرص على عدم التمييز ضدّهم، يبدو هؤلاء غير مطمئنين لا سيّما مع الكلام المتداول حول إبعادهم عن إسطنبول.

يعيش السوريون في مدينة إسطنبول في الفترة الأخيرة حالة من القلق والخوف على خلفية الأخبار المتناقلة حول عمليات ترحيل تنفّذها السلطات التركية في المدينة، وذلك بعد لقاءَين عقدهما وزير الداخلية سليمان صويلو الأسبوع الماضي مع صحافيين عرب، من بينهم صحافيون سوريون ومع منظمات المجتمع المدني تناول في خلالهما استراتيجيات جديدة لتنظيم وجود السوريين في تركيا.

وعقب اللقاءَين اختلف تفسير كلام صويلو حول استراتيجيات الحكومة التركية في التعامل مع الوجود السوري، خصوصاً في ظلّ واقع سياسي فرض على الحكومة الخروج من عباءة التعامل مع ذلك انطلاقاً من مبدأ المهاجرين والأنصار مع فوز المعارضة الداعية إلى عودة السوريين لبلادهم في انتخابات الإدارة المحلية في إسطنبول والعاصمة أنقرة وكبريات المدن التركية.

وكان الأمر قد بدأ مع تحديد صويلو نقاطاً عدّة تشكّل استراتيجية أنقرة الجديدة في التعامل مع الوجود السوري في تركيا، في اللقاء الذي حضره مراسل "العربي الجديد". النقطة الأولى تتعلق بموضوع الإقامات قصيرة المدى التي سوف يُبحَث مع أصحابها عن مستقبل إقامتهم في تركيا وسبل إدامة حياتهم، والثانية تتناول ترخيص كل الشركات والمتاجر وأماكن العمل التابعة للأجانب بما أنّ الترخيص مطلوب من المواطن التركي وهو يرفض أيّ إعفاءات خاصة بالأجانب. أمّا النقطة الثالثة فترتبط بموضوع ضبط العمالة غير المنظمة من خلال حملة سوف تشمل كل أماكن العمل والشركات للكشف عن مخالفات تتعلق بتشغيل الذين لا يملكون إذناً بالعمل، إذ إنّ من شأن ذلك أن يؤدّي إلى ضياع حقوق اللاجئين. والنقطة الرابعة تتعلق باللوحات التجارية التي تأتي بنسبة 75 في المائة باللغة التركية في مقابل 25 في المائة باللغات الأخرى ومنها العربية، مبيّناً أنّه تم تبليغ جميع أصحاب المحلات والدكاكين بذلك من دون تنظيم مخالفات، على أمل حل هذه الأمور من دون اللجوء إلى الغرامات. بالنسبة إلى النقطة الخامسة، هي تقتضي نقل كل من هو مسجّل في الحماية المؤقتة ويملك بطاقة "كملك" من السوريين إلى أماكن تسجيلهم، فمن هو مسجّل في ولاية غازي عنتاب مثلاً يتوجّب عليه الانتقال إليها بدلاً من الإقامة في إسطنبول التي تمثّل جنّة للعمل والفرص وبالتالي تجذب كثيرين، علماً أنّه منذ عام 2016 غادر نحو 300 ألف مواطن تركي المدينة لعدم توفّر فرص العمل.

وقد أكّد صويلو كذلك أنّ ثمّة تشديداً حول عدم تسجيل أيّ لاجئ جديد في إسطنبول باستثناء الحالات الإنسانية المرضية أو الولادات، على أن يُوَفّر الانسجام للسوريين مع المجتمع التركي إلى حين توفير ظروف عودتهم، موضحاً أنّ ذلك لا يعني التحوّل إلى الثقافة التركية بل تقارب الثقافتَين. ولفت إلى أنّه ألقي القبض على 10 آلاف شخص يتاجرون بالمهاجرين، متعهداً بمواصلة مكافحة كل استغلال يطاول هؤلاء.




وكلام صويلو عن إجبار حاملي بطاقة الحماية المؤقتة على العودة إلى الولاية التي صدرت منها، تلقاه السوريون بقلق شديد، ظناً منهم أنّه يعني ترحيلهم القسري إلى بلادهم، على الرغم من أنّ الوزير شدّد على أنّ الترحيل لن يشمل إلا من ارتكب مخالفة قانونية وصدر بحقه قرار قضائي. عقب اللقاءَين اللذَين عقدهما صويلو، انطلقت حملات منظمة من قبل قوى الأمن التركية للتدقيق في ورش العمل والمحلات والتأكد من التراخيص واستصدار أذونات العمل، الأمر الذي زاد مخاوف السوريين من عمليات ترحيل تعسفية. وجاء الردّ على ذلك من خلال تشكّل مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الدردشة، بهدف التبليغ عن أيّ عملية تفتيش تنفّذها قوى الأمن وتحديد مسارات التنقل في المدينة وفقاً لها. يُذكر أنّ الإجراء التركي تبعه تحذير جديد من إدارة الهجرة حول ضرورة الحصول على إذن للسفر بين الولايات التركية تحت طائلة سحب بطاقة الحماية المؤقتة.

على الرغم ممّا يُشاع عن عمليات الترحيل، فإنّه حتى الآن لم توثّق حالة ترحيل واحدة بعد الإجراءات الأخيرة ولقاءَي وزير الداخلية، فضلاً عن غياب أيّ جهة سورية مسؤولة عن توثيق تلك الحالات. كذلك فإنّ الأمين العام السابق للائتلاف السوري المعارض نذير الحكيم صرّح في ورشة عمل عُقدت أخيراً، مقدّماً نفسه كممثل للسوريين في تركيا وفق التعريف الحكومي، بأنّ "أيّ حالة ترحيل لم تُسجّل بعد الإجراءات الجديدة"، مطالباً بتزويده بأسماء المرحّلين في حال تسجيل حالات. وقد شدّد الحكيم على ضرورة التمييز ما بين إجبار السوريين على العودة إلى الولايات حيث أُصدرت بطاقات الحماية المؤقتة وما بين الترحيل بسبب ارتكاب مخالفات قانونية، وهذا بالنسبة إلى الذين يملكون بطاقة الحماية المؤقتة. يُذكر أنّ تسجيلات فيديو لم يتمّ التثبّت من صحّتها، انتشرت على مواقع إلكترونية وتظهر شباناً مرحّلين ينصحون من لا يملك بطاقة حماية مؤقتة بألا يخرج من بيته حتى لا يُرحّل.

يرى عدد من السوريين أنّه يصعب بعد كل هذه السنوات العودة إلى الولاية الأصلية التي صدرت منها بطاقة الحماية المؤقتة بعد الحصول على امتيازات الإقامة في إسطنبول، من قبيل العمل والدراسة واستقرار الأبناء. بالنسبة إليهم، فإنّ كل من يعود إلى الولاية الأصلية سوف يضطر إلى بدء حياته من جديد على الصعد كافة، من قبيل العمل والدراسة. كذلك فإنّ الانتقال إلى إسطنبول أتى بتسهيل من قبل السلطات الرسمية في خلال الأعوام الماضية للخروج من مخيّمات اللجوء، بالتالي فإنّ الامتثال للقرارات الجديدة سوف يحمّل السوريين أعباء إضافية، لذا فإنّه من الممكن تسوية أوضاعهم بدلاً من ذلك ونقل عناوينهم إلى إسطنبول. وهؤلاء تقدّر السلطات التركية عددهم بنحو 150 ألفاً أتوا من ولايات الجنوب.




تفيد مصادر في إدارة الهجرة التركية "العربي الجديد"، بأنّ "الإجراءات الجديدة تنظيمية ولا تهدف إلى التأثير على السوريين، خصوصاً أنّ ما يحصل في الشارع التركي كنوع من العداء تجاه الأجانب يأتي في سياق موجة عالمية. وتعمل الإدارة مستغلة وجود وزير الداخلية في إسطنبول لمدّة شهر، على إيجاد حلّ للوجود السوري الذي يقدّر بنحو مليون، علماً أنّ نحو 550 ألفاً منهم فقط مسجّلون في إسطنبول". ورداً على سؤال حول أسباب عدم منح أذونات السفر وفرضها، تجيب المصادر نفسها أنّها "فُرضت بعدما شهدت البلاد مسيرات في اتجاه الحدود اليونانية لإجبار السلطات على فتح الحدود للهجرة غير الشرعية في اتجاه أوروبا"، مؤكدة أنّ "السلطات التركية لن تتعامل مع السوريين خارج نطاق القانون. وهذا لا يُعَدّ تضييقاً بقدر ما هو تنظيم تطلبته الظروف الجديدة الداخلية من الناحية السياسية وكذلك من الناحية الاجتماعية، فيما تعمل السلطات التركية على مزيد من الإجراءات بهدف دمج السوريين في المجتمع". وإلى حين جلاء حقيقة ما يجري، يسيطر القلق على السوريين، في حين أنّ وزير الداخلية كان قد صرّح قبل أكثر من شهر بأنّه سوف يعيد ضبط الأمن في إسطنبول في خلال ستّة أشهر، أي بحلول نهاية العام الجاري.