هل تحقق تحالفات القرن الأفريقي مطالب شعوبها؟

20 نوفمبر 2018
الصورة
ما زال القرن الأفريقي يخفي الكثير في جعبته المثقلة بالحروب والصراعات، فالمنطقة التي عرفت بزخم توتراتها السياسية والعسكرية زمناً طويلاً، تشهد اليوم رياح هدوءٍ، ربما لن يكون هذه المرة الهدوء الذي يسبق عاصفةً قاتلةً ما، فالتحالف بين إريتريا وإثيوبيا والصومال تطور جديد، حتى في غياب دولة محورية واستراتيجية، وهي جيبوتي، التي بدت الحاضر الغائب، أو استبعدت عمداً أو سهواً في المحادثات بين قادة الدول الثلاث في أديس أبابا أخيراً.
يتمحور ما صار معلوما بشأن هذا الحلف حول تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الدول الثلاث، وهي دول عانت طويلاً من ويلات الصراعات السياسية والعسكرية، فضلاً عن أزمات إنسانية، مثل المجاعة الشرسة التي فتكت بالملايين في القرن الأفريقي، إلى جانب أزمات اجتماعية، مثل البطالة التي يعاني منها كثيرون من الشباب الإريتري والصومالي. ولكن ثمة أسئلة كثيرة بشأن مستقبل التعاون بين تلك الدول، في ظل تغييب مقصود لدور جيبوتي، فمن دونها، كيف يمكن تحقيق تطور اقتصادي بين الدول الثلاث، على الرغم من أن لكل دولة مصالح اقتصادية وسياسية ومستقبلية، فإريتريا تريد الخروج من عزلتها الإقليمية والدولية، عبر تعزيز علاقاتها مع محيطها الإقليمي، إلى جانب تهميش الموانئ الجيبوتية، عبر منح إثيوبيا امتيازاتٍ كثيرة في موانئها، وخصوصا ميناء مصوع. أما إثيوبيا فهي الدولة الحبيسة في المنطقة، تريد أن تجد منفذا مائياً يتبع لها في المحيط الهندي، وهو ما صرح عنه مسؤول عسكري إثيوبي رفيع، قال لوسائل إعلامية إثيوبية إن من غير المعقول أن تبقى بلاده بلا موانئ، وهي التي تحظى بالثقل العسكري والكثافة السكانية في المنطقة. وما يؤكد صحة هذه النيات المفترضة لإيجاد مداخل مائية في المحيط الهندي تداول أخبار عن رغبة إثيوبية بإنشاء أسطول عسكري بحري، بغرض حماية تجارتها البحرية مستقبلاً.

أما الصومال الغارق ببحور من الفوضى السياسية الداخلية، وتصادم مستمر بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية، فيسعى إلى فرض وحدة جغرافية على أراضيه، في ظل فيدرالية تمزّق جسده، ناهيك عن الهاجس الأمني الذي يتمثل في سقوط مزيد من الضحايا الأبرياء شهرياً، وتفجيرات الجمعة الدامية التي راح ضحيتها أخيرا نحو أربعين قتيلاً دليل على ذلك. وإذ يقول رئيس مجلس النواب الأميركي الأسبق، تيب أونيل، "إن السياسة الخارجية تخضع لاعتبارات محلية"، فإن هذه الفرضية تغيب في المشهد الصومالي، وتحل محلها سياسات غير مدروسة لا تخدم مصلحة الصومال قبل غيره، فهناك ما يكفي للصوماليين من أزمات داخلية، مثل غياب المصالحة الوطنية الحقيقية لاحتواء ظاهرة الحرب القبلية المتكرّرة في الشمال والجنوب، إلى جانب إكمال الدستور، وتحقيق العدالة بين مكونات المجتمع. وفي غياب هذه المطالب الأساسية الممكن تحقيقها، يغرّد الصومال خارج النص، ويحشر أنفه في علاقاتٍ خارجيةٍ، ربما تستنزفه فقط، بدل أن يعوّل عليها.
يبدو أن الصومال هو المستفيد الأكبر من السلام المنشود في القرن الأفريقي، فوقف إثيوبيا سياساتها لإجهاض جهود بناء دولة صومالية عقدين أمر يثلج الصدور، بشرط أن تصدق هذه النيات. أما إريتريا، فلم تكن تؤثر في السياسة الصومالية بشكل مباشر، بل كانت تدعم فصائل مسلحة ومناوئة لأديس أبابا، ولم يكن ذلك حباً لسواد عيون الصوماليين، لكن ما لا يمكن إنكاره أن للدولتين مصالح كبيرة تجاه الصومال.
هل الصومال قادر حالياً على دخول اتفاقيات مع دولتين قويتين عسكرياً في المنطقة، وهو ما زال يبحث عن فرصة لملمة جيشه؟ ما هي أوراقه لكي يربح في علاقاتٍ شبه صفرية بالنسبة له؟ يبدو أن هناك عجلة من الساسة الصوماليين للدخول في صفقاتٍ كهذه، ربما ستؤثر سلباً على مصيره ومستقبلاً، فالبلاد ما زالت تعاني من آثار الحرب الأهلية ولم تتعاف بعد، فضلاً عن انحسار نفوذ الدولة في أقاليم قليلة، ولا تتمتع بتأييد رؤساء الولايات الفيدرالية، فالقضاء على هؤلاء ليس سهل المخاض، بل يتطلب وقتأً وجهداً كبيرين. ومع تلك الحرب العبثية بين المركز والأطراف، تنتهي فترة رئاسة الحكومة الحالية، وربما سينقضي عمرها وهي تحاول العودة إلى المشهد، وهذا عين المشكلة بالنسبة للحكومات الصومالية.
استراتيجية رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، التي رسم معالمها، منذ وصوله إلى موقعه، مطلع العام الجاري، ربما أنها تجري نحو مسارها المخطط، فإذ نجح الرجل في تحقيقه عشرة بالمائة من وعوده للشعب الإثيوبي، فإن ذلك يعني أن الرجل فطن وسياسي ماهر. ولكن قبل تحقيق ذلك، لا بد من اجتياز عقبات كثيرة، معظمها اقتصادية وأمنية، فتعبيد طريق الحرير بين أديس أبابا ومقديشو ليس سهلاً، فحركة الشباب تسيطر على طرق رئيسية، وفرضت حصاراً على مدن كثيرة في الجنوب الصومالي. وتحقيق تطور اقتصادي بين الدولتين يتطلب، أولاً، القضاء على نفوذ حركة الشباب، وفتح ممرّات آمنة للتجارة الإثيوبية التي ستعبر مناطق إثيوبيا ومدنها، لتجد طريقها نحو الموانئ الصومالية مستقبلاً.

جيبوتياً، يبقى الرئيس عمر جيلي يتفرّج على مشهد التحولات السياسية والمتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، لكنه يعلم أن كل تلك الخطط والمكائد يتم تدبيرها من الخليج، سواء عبر العربية السعودية أو الإمارات التي تخوض شجاراً عنيفاً مع جيبوتي التي طردتها من ميناء دوراليه، إثر نزاع دبلوماسي بين الجانبين. ولكن على جيبوتي التحرّك ولو قليلاً، من أجل إقناع جارتها إثيوبيا بعدم الذهاب كاملاً نحو موانئ إريتريا، فإن ذلك سيضعف حتماً الدخل الجيبوتي من الموانئ، مهما كان قدر تلك السيولة المالية التي ستفقدها خزائن جيبوتي المملوءة بالدولار الأميركي واليوان الصيني والفرنك الفرنسي.
تحمل خريطة التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي شكوكا كثيرة لأي مراقب صومالي، فتغييب دور جيبوتي في المنطقة لا يبشّر بخير، وربما أنها غير مقتنعة كيف تطبخ السياسات الراهنة، ويدرك بعضهم جلياً أن دخول الصين في المنطقة غيّر حسابات بعض الدول العظمى، وخصوصا أميركا وفرنسا، فالغرب يسعى إلى إبعاد التنّين الصيني من القرن الأفريقي بأي ثمن، بينما تحاول الصين الصمود في وجه أعاصير إقليمية ودولية، فالقمة الاقتصادية الصينية الأفريقية، في سبتمبر/ أيلول الماضي، أثبتت حضورها بشكل قوي، وما زالت تتغلغل في اقتصادات دول كثيرة، وخصوصا التي تقع في المشرق الأفريقي.
إذا، أي مستقبل ومصير للقرن الأفريقي. هل تنعم إثيوبيا بالرخاء والصومال بالأمن والأمان، وإريتريا بعلاقات خارجية حرّة واقتصاد قوي؟ كل تلك المطايا لا تتحقق بين طرفة عين وانتباهتها، بل تتطلب مزيداً من الجهود السياسية وتكاتفا إقليميا لا يُقصي طرفاً على حساب الآخر، وأقصد هنا جيبوتي.