هل تتنازل أميركا عن إدارة الإنترنت؟
عندما جلس فانيفار بوش، ملهم فكرة الإنترنت، كبير المستشارين العلميين للرئيس الأميركي، روزفلت، عام 1945، يكتب مقالة في مجلة المستقبل، لم يكن يدرك أن فكرته ستثمر نتائج مبهرة وخطيرة؛ فقد كانت رؤيته عن جهاز حاسبٍ مكتبي صغير، يحتوي على كل المعرفة الإنسانية، هي التي أوحت للعلماء بفكرة إنشاء الإنترنت التي مضى عليها نحو ربع قرن، واقتراب مستخدميها من نصف سكان المعمورة، لتتحول الإنترنت إلى وسيلةٍ، لا يمكن الاستغناء عنها، سواء في التجارة والاتصال أو العمل والحكومة والإعلام. ولم يعد ممكناً، ببساطة، تصور جزء كبير من العالم المعاصر من دونها، بيد أن نجاح الإنترنت الباهر لم يكن من دون كلفة، فقد أصبحت الشبكة العالمية في خطر التقسيم، بعد فضائح التجسس العالمية الكبرى التي كشف عنها، أخيراً، ما دعا حكومات دولٍ، مثل ألمانيا وفرنسا، إلى إنشاء شبكة اتصالات أوروبية، تتفادى مرور البيانات عبر الولايات المتحدة، كما تعمل روسيا بمساعدة، إدوارد سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأميركي، والذي فجّرقضية التجسس، على بناء موقع تواصل اجتماعي منافس لـ"فيسبوك". وظهرت شواهد على استخدام الصين بدائل محلية، لمحرك البحث "جوجل" ومواقع التواصل الاجتماعي. أما إيران التي تُصنَّف بأنها من أكثر الدول تقدماً في فرض الرقابة على الإنترنت، فإنها تروج، أيضاً، شبكة إنترنت وطنية خاصة بها، على أنه إجراءٌ، من شأنه أن يوفر التكاليف للمستهلكين، ووسيلة لدعم القواعد الأخلاقية الإسلامية. وفي الوقت نفسه، تعتبر خطوة تهدف إلى إنهاء الصراع الدائر بشأن السيطرة على الإنترنت.
تهدد كل هذه المعطيات بتقسيم شبكة الإنترنت إلى شبكات أصغر، لا يمكن التواصل بينها. لماذا هذا كله؟
السبب أن الشبكة العنكبوتية باتت، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عرضة للهجمات والجريمة والحرب الإلكترونية والتجسس الذي ألحق، من دون شك، ضرراً ببنى أساسية حساسة في دول مختلفة، ما اضطر دولاً عديدة، وأجهزة في الأمم المتحدة، ومنتديات إقليمية ودولية ووطنية كثيرة، للتوصل إلى توافق آراء بشأن مستقبل الإنترنت وحكومتها، أو إدارتها، لكن الجهود التي بذلت، في هذا المضمار، لم تفلح بعد في إحراز تقدم يذكر، بعد أن نأت الولايات المتحدة بنفسها، إلى حد بعيد، عن هذه المناقشات، لتركز، بدلًا من ذلك، على تطوير قدراتها الهجومية والدفاعية في مجال الأمن الإلكتروني، مع اعتماد على خبرات القطاع الخاص، للمحافظة على استمرار استقرار النظام.
ثمة مؤسسة أميركية تشرف على الإنترنت، هي (هيئة الإنترنت الخاصة بالأسماء والأرقام)، وتعرف اختصارًا باسم (ICANN)، وثمة محاولات مضنية لتحرير هذه الهيئة من الاحتكار والهيمنة الأميركية اللذين يقلقان بال كثيرين، ليس فقط في الدول النامية، ولكن، أيضًا، في دول الاتحاد الأوروبي. ولذا؛ تتعرض الهيئة لعوامل شد وجذب كثيرة، من القوى السياسية المختلفة، لاعتباراتٍ تتعلق، أولاً، باعتبارات الهيمنة المعلوماتية، أو ما أصبح يعرف الآن باسم (هيمنة الشفرة). آخر المحاولات كانت في صيف 2013، عندما أثارت معلومات كشفها إدوارد سنودن غضب دول أوروبية عديدة وحنقها، وفي مقدمتها ألمانيا والبرازيل، من التنصت على رئاسة الدولة، وأدت هذه المعلومات إلى برود في العلاقات بين البلدين، وحثت تلك الدول على ضرورة ترتيب بيت الإنترنت، لئلا تتكرر أعمال مماثلة. فبعد فضيحة التنصت، اقترحت البرازيل على الأمم المتحدة فكرة رقابة متعددة الأطراف على الإنترنت، مكررة أصداء طموحات هيئاتٍ للإنترنت حريصة على استقلاليتها حيال واشنطن.
الجديد في الموضوع إعلان الإدارة الأميركية، على خلفية انتقاداتٍ تعرضت لها، أنها مستعدة للتخلي عن دورها المركزي في توزيع أسماء النطاق على الإنترنت، لصالح نظام حوكمة عالمي. وعلى الرغم من أن مثل هذا القرار، رأى فيه الخبراء أنه سيسمح بمشاركة أوسع لحكومات العالم بإدارة الإنترنت، وإلغاء تفرد الحوكمة الأميركية بتوزيع النطاقات والتحكم بالشبكة، وسيمنح دول العالم حق إدارة الشبكة العالمية، ما سيفتح آفاقا جديدة للشبكة، على الرغم من ذلك، فإنّ ثمة من رأى في هذه الخطوة فتح شهية بعض الدول لفرض سيطرة على الإنترنت ورقابة عليها، والحد من الحرية التي تتمتع بها الشبكة العالمية، ما سيقود ربما إلى تقسيم الإنترنت، لا سيما إذا اختلفت الدول المسيطرة على الشبكة العنكبوتية، ما سيحولها إلى دويلات معزولة، لا اتصال بينها. ورأي آخر لا يستبعد أن تتنازل الولايات المتحدة عن هكذا دول، وسيلةً تحاول من خلالها الالتفاف والاحتفاظ بهيمنتها، بوضع الإنترنت تحت إدارة قطاعها الخاص!
إلى الآن، لا جديد في موضوع حوكمة الإنترنت، وتخلي الإدارة الأميركية عن دورها المركزي في السيطرة والهيمنة على هيئات ضبط الإنترنت، ولا تزال تبسط نفوذها على مؤسسة (ICANN) إدارياً وتقنياً، كبيئة إلكترونية كونية، تحتوي مختلف مظاهر الاتصال والتفاعل الرقمي للأفراد والجماعات والمنظمات والمؤسسات المحلية والعالمية بأنواعها. وذلك بحجج مختلفة، منها التقدم الأميركي في التكنولوجيا الفائقة، والبحوث عالية المستوى في مختلف الصناعات الرقمية الآلية، وتوافر القدرات الأميركية الضخمة في الإدارة والتحكم، إلى جانب التهديدات الأمنية المتزايدة، وأهمية الإنترنت في مجالات التجارة والأعمال والسياسة والاقتصاد والإعلام...إلخ.
خلاصة القول، إن الشبكة العالمة للمعلومات "الإنترنت" ستفرض نفسها، في الأعوام القليلة المقبلة، قضية مركزية تخلق نزاعاً حقيقيًّا، وصدامًا بين القوى الدولية، وسيتحول التنافس التكنولوجي المبني على قضية التجسس والتنصت الأميركي على العالم إلى نزاع دبلوماسي، يأخذ أبعادًا بين الأحادية الأميركية والتعددية العالمية، بينما يشير الواقع إلى هيمنة وسيطرة أميركيتين ستمتدان، مادامت الولايات المتحدة تربط هذه الهيمنة بقضية أمنها القومي والحيوي، وستضع العصي في دولاب أي خطوات دولية، تتعلق بمسائل حوكمة الإنترنت، من شأنها تحسين أمن الفضاء الإلكتروني، وتحديد الحركة فيه.