هل الظرف مناسب لتغيير النظام السياسي في تونس؟

الصورة
أبدى سعيّد منذ وصوله رغبته بتغيير النظام(فتحي بلعيد/فرانس برس)
عاد الجدل حول النظام السياسي التونسي، بين المتمسكين به والداعين إلى تغييره. لكن بين هؤلاء وأولئك حسابات وأهداف متضاربة. يحصل ذلك في ظرف حرج، إذ تواجه تونس مخاطر اقتصادية من الحجم الثقيل، إذ إن نسبة النمو معرضة لتراجع حاد توقع رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ أن تبلغ سبع نقاط دفعة واحدة، وهو ما سيجعل البلاد تدخل في حالة طوارئ اقتصادية، وسيترتب عليه تغيير للأولويات والبرامج بشكل واسع. فإلى أين تسير الأمور؟

ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها الطعن بالنظام السياسي الذي اختاره من صاغوا دستور 2014. كثيرون شككوا في قدرة هذا النظام على ضبط الأوضاع وتحقيق النجاعة السياسية. من بين هؤلاء الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي لم يكن راضياً بالدستور، خصوصاً عملية توزيع السلطات التي نصّ عليها. ففي لقاء لكاتب هذه السطور مع السبسي، أكد الرئيس الراحل أن هذا النظام لا يصلح لتونس، ويحمل الكثير من الثغرات والتناقضات. ولدى سؤاله لماذا لا يتقدّم بمبادرة تشريعية ويعرضها على البرلمان، أجاب بأنه لا يريد الطعن في دستور أوصله إلى رئاسة الجمهورية، ويستمد منه شرعيته. يومها قيل الكثير عن رغبة السبسي في العودة إلى النظام الرئاسي حتى يتمكّن من التفرّد بالقرار والهيمنة على المشهد السياسي. مع ذلك نجح السبسي في أن يتجاوز صلاحياته مستثمراً شخصيته القوية وحنكته والكاريزما التي كان يتمتع بها.

وصل قيس سعيّد إلى قصر قرطاج (الرئاسة) من دون أن يخفي رغبته ليس في توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية فقط، وإنما أيضاً في إحداث تغييرات جوهرية في النظام السياسي والانتخابي برمته. في البداية بقي الرئيس معزولاً، وانتقدته مختلف الأطراف الحزبية والأكاديمية وجزء واسع من المجتمع المدني. لكن شيئاً فشيئاً تعددت الأطراف المؤيدة له، لكن لكل طرف حساباته ونواياه.

أهم هذه الأطراف التي طالبت بإعادة النظر في النظام السياسي قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، إذ دعا الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي إلى "تنظيم استفتاء لتقييم النظام السياسي"، لأن الأزمة الحالية من وجهة نظره، "سياسية بامتياز". وأوضح أنه على الطبقة السياسية التي تؤكد على الشرعية الانتخابية "أن تفكّر في مدى نجاعة النظام السياسي ونقاطه الإيجابية، ومدى تماشيه مع توجه سياسي معين". ولم يتردد في القول "ليس من العيب أن يشتغل الاتحاد في السياسة"، وبذلك يؤكد مرة أخرى عدم الفصل بين النقابي والسياسي.

موقف الاتحاد كان مفاجئاً للطبقة السياسية، ورأى البعض في ذلك محاولة للتقارب مع الرئيس سعيّد من أجل كسبه لصالح اعتراض الاتحاد على أمرين أساسيين، يتعلق الأول بالاستعداد لمواجهة قرارات الحكومة التي ستمس بالمؤسسات العمومية والأجور وملف البطالة والأسعار. وثانياً تريد قيادة الاتحاد المساهمة من موقعها في تضييق الخناق على حركة "النهضة" وتقليص حجمها ووزنها.
أما الطرف الآخر الذي انخرط بدوره في هذه المعركة، فهو الحزب "الدستوري الحر" ومن معه. غيّرت رئيسة الحزب عبير موسي تكتيكها، إذ على الرغم من رفضها السابق لإجراء أي اتصال مع سعيّد، أصبحت تؤيد دعوته لتغيير النظام السياسي بهدف حل البرلمان وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها. فما يعنيها الآن هو تضييق الخناق على رئيس البرلمان، رئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، والدعوة إلى محاسبته شعبياً وداخل البرلمان وإبعاده عن رئاسة السلطة، وتكثيف الحملة الداخلية والخارجية ضده. وهي تتوقع أن انتخابات سابقة لأوانها ستعزز من حظوظ حزبها، وستقلص من حجم "النهضة". بعد ذلك تتم تصفية الحساب مع الرئيس سعيّد. المهم الآن بالنسبة إليها هو استثمار الخلاف بينه وبين "النهضة"، وخلخلة الوضع الراهن، ثم التخلص من الخصوم واحداً تلو الآخر.

كان رئيس حزب "مشروع تونس" محسن مرزوق يعتقد بأن حزبه قبل الانتخابات الأخيرة هو "الحزب الوحيد القوي الذي يتمتع بقوة تعبوية عالية بخلاف حركة النهضة". بعدما مُني بهزيمة قاسية، تحوّل موقفه من الاستخفاف الشديد بآراء سعيّد، إلى الإيحاء باستعداده للتعاون معه وتأييده، إثر تعرض حزبه لسلسلة من الخلافات والانقسامات جعلت منه كياناً هامشياً وفاقداً للفعالية. أصبح مرزوق مؤمناً بضرورة "تغيير النظام السياسي لأن الأحزاب وحدها المنتفعة منه وخصوصاً حركة النهضة"، وذهبت به الحماسة إلى حد القول إن النظام السياسي "أصبح جثة في حالة تعفن ونظام الأحزاب لم يعد يخدم الدولة"، واعتبر أن القيام بذلك أمر ملحّ من أجل قيام "الجمهورية الثالثة". وهو بدوره يسعى لإضعاف "النهضة" التي يصفها بـ"العدو"، ويدعو إلى فتح حوار وطني يهدف إلى تغيير جذري للمشهد السياسي وأولوياته.

إلى جانب هذه الأطراف، عائلات أخرى تفكر بالطريقة نفسها، مثل أغلب الأحزاب الصغيرة اليسارية والقومية. وقد بدأت جميعها تمهد الأجواء لتصعيد أدوات الضغط في اتجاه إرباك الحكومة وفرض تغيير النظام السياسي، من دون الأخذ بعين الاعتبار النتائج التي يمكن أن تترتب عن ذلك. فالأيام والأسابيع المقبلة ستشهد جدلاً واسعاً حول النظام السياسي بعدما أعلن رئيس الجمهورية في كلمة عيد الفطر عن نصوص جديدة سيعرضها على البرلمان تهدف إلى إصلاح المنظومة السياسية. ولا شك في أن ذلك سيرفع مستوى الجدل حول هذه المسألة وتبادل الاتهامات والمهاترات إلى مستوى النقاش في العمق حول اقتراحات محددة وبدائل واضحة. وبالنسبة للحكومة، فإن هذا الصراع المرشح للتصاعد سيزيد من إرباكها في وقت تريد فيه أن توجّه كل طاقاتها نحو الأزمة الاقتصادية الصعبة والثقيلة.
تعليق: