هل الشريعة قانون أم القانون شريعة؟

04 يناير 2017
الصورة

(Getty)

+ الخط -
هل السؤال مغلوط؟ ربما. لكنه، على أية حال، يُتداول بشكل كبير في الأوساط القانونية والشرعية، وخصوصاً في المجال القانوني الذي للشريعة والأحكام الإسلامية دور فيه، قلّ أم كثُر.
سؤال يُطرح عليّ شخصياً بشكل متكرّر ومزعج، خصوصاً من الذين يستغربون من مجموعاتٍ كبيرة تدرس القانون في الغرب، بينما قانون بلده ينصّ على أولوية الشريعة الإسلامية، وعلى فوقية نصوصها على أي شيء آخر. ولا يُطرح هذا السؤال عليّ، وعلى أمثالي ممن درسوا الشريعة ثم القانون من السعوديين فقط، بل هو متكرّر يطرحه كثيرون من أهل الجالية الإسلامية الممتدة والمتعدّدة في أميركا، حينما يسألونك عن تخصّصك، فإذا أخبرتهم بأنه القانون، يجيلون النظر ويرفعون حواجبهم ويخفضونها، ثم يسألون عن سبب دراسة "القانون" لمن يرى فوقية "الشريعة"، وأنها القانون الأكمل للبلد. فكان الجواب البسيط أن الشريعة "قانون إسلامي"، بينما نحن ندرس القانون عموماً، والقانون المقارن الذي نستحضر القانون الإسلامي فيه، ونقرأ خبرات الدول المختلفة وطرقها في التعامل مع القانون عموماً وتطبيقه.
هذه كانت الإجابة المبسطة، بينما الموضوع أعمق بكثير. ففي السياق العلمي والقانوني في أميركا في الدراسات المتعلقة بالشريعة، هناك مدرستان رئيسيتان:
الأولى: تقرأ الشريعة بوصفها جملةً من القوانين المرتبطة بمصادرها التشريعية السماوية وجدالات الفقهاء التاريخية ومذاهب الفقه، وتعود إلى تلك النصوص الفقهية والخلافات والتقريرات والتحريرات بوصفها "الشريعة الإسلامية"، بغض النظر عن تطبيقات الدول الإسلامية المعاصرة وطريقتها. ويمكن تسمية هذه الطريقة "المدرسة المثالية" في قراءة الشريعة في الأدبيات الاستشراقية والإسلامية المعاصرة. إذ تقرأ هذه المدرسة النصوص الدينية مباشرةً، والتفسيرات المختلفة من الفقهاء والأجيال المبكرة في الإسلام، ومن الأئمة الأربعة، وترجيحات المجتهدين طوال تاريخ الإسلام الطويل، بوصفها جزءاً أساسياً من الشريعة الإسلامية التي يجدونها مرادفةً تماماً لكلمة "القانون الإسلامي".
الثانية: مدرسة حديثة نسبياً، بدأت تكتسب بعض الوهج والحضور في العقود الأخيرة، وهي
 المدرسة الواقعية في قراءة الشريعة الإسلامية، أو "القانون الإسلامي" بالأحرى. تقول إن الدراسات الاستشراقية للنقاشات الفقهية "القروسطية/ المنتمية للقرون الوسطى" والجدل الطويل والخلافات بوصفها "قانوناً إسلامياً" يعتبر تضليلاً، لأنها ليست "قانوناً" بالمعنى الحديث للكلمة، فليست بجملتها قانوناً نافذاً في أي دولة، وحتى لو تبنّت دول مختلفة الشريعة الإسلامية، فإن طريقة توصيفها الخاص للشريعة والأحكام المختارة من الشريعة والترجيحات التي تُمضيها تلك الدول هي التي يمكن اعتبارها "قانوناً إسلامياً"، لأنها تشريعاتٌ نافذةٌ وتتبناها الدولة، وصادرة بالنفوذ والصلاحيات التي تتمتع بها هذه الدولة الحديثة، وأما ما سوى ذلك من النقاشات الفقهية والدراسات فلن تكون قانوناً، حسب هذه المدرسة. وبتقدير هذه المدرسة، فإن دراسة النقاشات والخلافات الفقهية قد تكون مفيدةً ومهمةً، وذات جدوى. ولكن، ليس لأنها "قانون" إسلامي حالي. ولكن، لأنها جزءٌ مهم من تراث الأمة الإسلامية.
هنا، يبدو أن هناك حلقة مفقودة في الاتصال بين المدرستين، وكأنهما يتحدّثان لغتين مختلفتين. تنظر الأولى إلى تلك القواعد والآراء الفقهية بوصفها جزءاً من الشريعة الإسلامية والقانون الإسلامي الذي يمكن تبنّيه في أي لحظة، أو يمكن الحكم به عبر محاكم مختلفة في دول تحكم بالشريعة الإسلامية، أو دول أخرى ترى في الشريعة المصدر الأساسي للتشريع، أو على الأقل مصدراً مهماً للتشريع. بينما ترى المدرسة الثانية أن لا قيمة لهذا الاحتمال التشريعي ما لم يتم بالفعل تبنّيه، فهو مثل اقتراح قانوني لم يلق القبول، ولم يتمّ تشريعه رسمياً، فلذلك يقومون بالنظر ودراسة الأحكام الإسلامية التي تمّ بالفعل تشريعها والعمل بها والحكم بها قضائياً في بلدان إسلامية. ولذلك، تستلهم المدرسة الثانية "نظام القانون العام" (common law system) الذي يعتبر السوابق القضائية نافذةً، وذات طابع إلزامي على المحاكم الأقل درجةً، فلذلك يميلون إلى دراسة الأحكام الإسلامية التي حصل الحكم بها في المحاكم الرسمية في الدول الإسلامية، ويتعاملون بطريقةٍ واقعيةٍ، على أساس أن هذا هو "القانون الإسلامي"، بغض النظر حتّى عن مدى دقّة ارتباط تلك الأحكام القضائية بالمصادر الشرعية وبالمناهج المتّبعة، والمعتبرة تاريخياً في الفقه والخلاف والشريعة الإسلامية في التاريخ والمدوّنات القديمة.
على الرغم من حرص المدرسة الثانية (الواقعية) على قراءة القانون بشكل "واقعي" ومباشر، ودراسة ما يتمّ الحكم به عملياً وقضائياً في البلدان الإسلامية، فإنها تقع في خطأين كبيرين فيما يتعلق بدراسة الشريعة أو "القانون الإسلامي"، في فهم "القانون" وفي فهم "الشريعة". الأول هو هذا التعامل الاختزالي مع كلمة "القانون"، حينما يتعلق الأمر بالشريعة الإسلامية ومخرجاتها، فبينما يتمّ دراسة المشاريع القانونية المختلفة والتعليقات الفقهية المختلفة في القانون المدني منذ خمسة قرون، واجتهادات المحامين وتعليقاتهم بوصفها جزءاً من دراسة "القانون"، يتمّ حصر القانون فيما يتعلق بالقانون الإسلامي فيما يتمّ تشريعه بشكل رسمي، أو الحكم به قضائياً. فمثلاً يتم النظر إلى مدونة بلاكستون التي كتبها، قبل قرابة ثلاثة قرون، قاضٍ وقانوني إنكليزي، يتمّ النظر فيها واعتبارها جزءاً من دراسة القانون، حتى في أميركا التي يفصلها محيطٌ زاخر عن إنكلترا، ويفصلها قرنان أو ثلاثة عن ويليام بلاكستون!.
وفيما يتعلق بالسوابق القضائية في القانون المدني، ودراسته في أميركا، مثلاً، لا تعني السوابق 
القضائية، حصراً، السوابق الحالية، أو حتى المعاصرة، فقد تعود إلى مئات القرون، وقد تستنجد بالتعريفات القانونية الثقافية المختلفة، والمعاجم الثقافية القانونية المختلفة في العالم الذي يتحدّث اللغة الإنكليزية، لأن المحاكم قد تأخذ ذلك كله على محمل الجد، أو قد يؤثر ذلك كله على المشرعين في فهم القانون وتطبيقه واعتباره أو تشريعه.
أما الخطأ الثاني، وهو المتعلق بفهم الشريعة، فالشريعة الإسلامية، بمصادرها التشريعية وقواعدها المتفق عليها، ثم اختلافاتها الواسعة والنقاشات المختلفة للفقهاء والخلافات العريضة وتطوّر المدارس والمذاهب الفقهية المختلفة، وإضافات أصحاب الوجوه في المذاهب واجتهادات المجتهدين المستقلين، يتم مقارنة ذلك كله بطريقة اختزالية تبسيطية بالقانون المعاصر الذي قد يكتسب بالفعل، أحياناً، زخمه وأهميته من ترتيبات الدولة الحديثة وطريقتها ومجالسها التشريعية وهيئاتها ومحاكمها التي شارك القضاء فيها في رسم صورة القانون ومعناه، وشارك بدور تشريعي كبير، عبر التشريع الإيجابي المباشر في "السوابق القضائية"، أو عبر ما يسمى التشريع السلبي في "المراجعة القضائية" للتشريعات التي تُقرّها السلطة التشريعية المعاصرة.
النقطة الأساسية والمركزية هنا أن الشريعة الإسلامية التي حفظ الله أصولها، ونصوصها الأساسية، (إنّا نحن نزلنا الذكر، إنّا له لحافظون) لم يتمّ في أي لحظةٍ من تاريخنا القديم، أو وضعنا المعاصر، اعتبارها "شريعة إسلامية" فقط، لأن دولةً ما أقرّتها، أو مجموعةً ما شرّعتها، أو هيئةً معينة حكمت بها، أو مجلساً قضائياً تبنّاها؛ بل هي، بنصوصها الأساسية وبنقاشاتها وخلافاتها ومذاهبها المختلفة وتعدّديتها الواسعة، بقيت محفوظةً وبقيت "شريعة" وقانوناً للأمة، تلتزم فيها بأفرادها وبارتباطهم بها، وبدورها في صناعة حياتهم، وبمجموعهم، بمعنى مجموع هذا الالتزام الشعبي العام المرتبط بالقيم الأساسية، وبالإيمان وبالباعث الروحي في الارتباط بهذه الأحكام والتشريعات، بغض النظر هل كانت دولة معينة جزءاً من هذا الالتزام أم لا.
لذلك، يبدو لي أنه شيء من التضليل تقديم قراءة الشريعة الإسلامية المكونة من عنصرين (إلهي بنصوص ثابتة تامة، وبشري باجتهادات فقهية) على أساس أنها كانت قانوناً لدولةٍ ما في لحظةٍ ما في التاريخ. وأصبحت في تلك اللحظة "قانوناً"، ثم لأنها لم تعد قانوناً، كما في الشكل التاريخي لدولةٍ ما، أو مكانٍ ما، فإنها لم تعد قانوناً.. لأن المقدمة ذاتها مغلوطةٌ، فلم تكتسب الشريعة الإسلامية وصفها ذلك في أي لحظةٍ معينةٍ لكونها "قانوناً" لدولةٍ ما. فإبعاد دراسة الشريعة الإسلامية وأحكامها وخلافاتها والاجتهادات البشرية الفقهية من مجال القانون يضمر التباساً وتضليلاً كبيراً في فهم القانون نفسه، بالمعنى العام له، وفي فهم الشريعة الإسلامية وتاريخها ومصادرها ودورها وعلاقتها بالأمة ذات التاريخ، وذات الطول والعرض.
881318A1-6F03-488A-8723-6FD4BAC7D9BA
عبدالله العودة