هل اقتنص سعيّد برنامجه من "حراك شعب المواطنين"؟

19 سبتمبر 2019
الصورة
حملة سعيّد انطلقت من المقاهي الشعبية (ناصر تليل/الأناضول)
لا تزال نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية تلقي بظلالها على المشهد السياسي في تونس. ومع احتلال المرشح المستقل وأستاذ القانون الدستوري، قيس سعيّد صدارة الترتيب بنسبة فاقت الـ18 في المائة، اتجهت الأنظار إلى برنامج حملته الانتخابية الذي انطلق من القواعد الشعبية، لكنه لا يُعتبر جديداً على التونسيين. فالعديد من الأحزاب تبنت ذات البرنامج إبان الثورة التونسية ومنها حزب "حراك تونس الإرادة" أو "حراك شعب المواطنين" لمنصف المرزوقي، وكانت بعض الأفكار أيضاً ضمن الحملة الانتخابية لـ"الجبهة الشعبية" في بدايات الثورة، ولكن يبدو أن انشغال الأحزاب عنها جعلت سعيّد يستفيد من بعض هذه الأفكار ويقتنص منها ما أهّله للجولة الثانية والتي قد تكون سراً من أسرار نجاحه ووصوله إلى قصر قرطاج.

انطلقت حملة قيس سعيّد من المقاهي الشعبية، واحتك مباشرة بالمواطنين في حملة تقليدية، ولم يترأس اجتماعات وكان موجوداً بين الحضور والناس، وترك الشباب يترأسون الجلسات ويطرحون الأفكار بعيداً عن البرامج التقليدية. سعيّد اختار أيضاً عبارة الثورة التونسية "الشعب يريد"، فكان الطريق ممهداً له للنجاح وترك العديد من الأحزاب خلفه.

وأكد قيس سعيّد أن التونسي يعرف ماذا يريد، وهو شعار الثورة في 2011، وكان لا بد من تمكين الشعب التونسي من الآليات التي تمكنه من تحقيق ما يريد، مضيفاً أنه لم يقم بحملة  غير عادية بل هي حملة تقليدية إذ طلب من الناس أن يختاروا مرشحهم بكل حرية.

وبالتدقيق في هذه التصريحات، يُلاحَظ أن "حراك شعب المواطنين" (حراك تونس الإرادة حالياً) للمرزوقي، اعتمد في حملته السابقة أيضاً على "شعب المواطنين"، وتبنى محاربة الفقر، ومقاومة الفساد، والحفاظ على الثروة الوطنية. وكان المرزوقي بطرحه "حراك شعب المواطنين"، وميثاق الحزب، يؤكد أن السيادة للشعب، فزار العديد من المحافظات وخاطب المواطنين وترك الشعب يتحدث ويقترح.

ويشير ميثاق الحزب إلى أن أولويته بناء ديمقراطية قاعدية في المستوى المحلي والمناطقي، لإشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في تقرير مصيرهم والعمل على ابتداع منوال تنموي جديد يقوم على اقتصاد تضامني منتج، يؤسس لتنمية محلية مستدامة وشاملة، قوامها الثقافة والحوكمة الرشيدة، وهدفه الأول محاربة الفقر وتنمية المناطق المحرومة، ومقاومة الفساد وفرض العدالة الضرائبية والدفاع عن استقلالية القرار الوطني والوحدة الوطنية، وتحرير إرادة الناخب من الترغيب والترهيب.

وأفاد القيادي والمسؤول عن حملة المرزوقي عماد الدايمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، بأنّ أفكار حزبهم موجودة في برامج العديد من المرشحين، فالحراك يعتبر أنه على الرغم من عدم النجاح في الانتخابات، إلا أن الأفكار السياسية للمرزوقي هي التي انتصرت في النهاية وتجسدت في أطروحات وبرامج، موضحاً أنّه على الرغم من بعض الاختلافات، إلا أن بعض الخيارات تأتي في برامج سبق أن طرحه شعب حراك المواطنين.

وأشار إلى أنهم يعتبرون أنهم انتصروا في الانتخابات، لأن الفكر انتصر وهذا هو الانتصار الحقيقي، مضيفاً أنّ المرزوقي تميز حتى خلال الحملة الانتخابية في طرح أفكار جوهرية ورؤى مستقبلية، مشيراً إلى أن العديد من المرشحين تبنوا البعض منها، وسعيّد يطرح اليوم الكثير مما سبق وطرحه الحراك.

ورأى الدايمي أن الفائز الأول في الانتخابات الرئاسية ربما يكون عرف كيف يستفيد مما طرحه الحراك سابقاً، خصوصاً أنهم لم يتمكنوا من تطبيق تلك الأفكار في الواقع بسبب التعطيلات التي واجهوها لأسباب تنظيمية وهيكلية وشخصية، وبسبب النزاعات التي أدت إلى انقسامات وإلى عدم النضج الهيكلي والتنظيمي. ولفت إلى أن تجسيد الأفكار على أرض الواقع أحياناً لا يسير بالنحو المطلوب الذي تتمناه الأحزاب، ولئن تمكن سعيّد من تجاوز الصعوبات، فإنه سيستفيد حتماً مما حصل، مؤكداً أنّ الأفكار موجودة ومفتوحة، وطُرحت على التونسيين في العديد من المناسبات، وبالتالي يمكن لأي شخص الاستفادة منها، والمهم أنّ في نجاح أفكارهم نجاحاً لهم ولتونس.

من جهته، أكد المحلل السياسي نور الدين العلوي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ سعيّد ليس له ماضٍ سياسي أو تجربة، ومع ذلك استفاد من برامج أحزاب عدة، ومن المطالب التي رفعتها الطبقات الشعبية منذ الثورة، فقد ظلت هذه الشعارات معلقة، على الرغم من أن جزءاً منها تم تطبيقه.

ولفت إلى أن "العدالة الاجتماعية والتنمية والمساواة هي مطالب الثورة ولكن تم إلهاء الشعب التونسي بمواضيع أخرى لا علاقة بها بالمطالب الأولى، وللأسف جلّ من تعاقبوا على الحكم سقطوا في هذا الأمر"، مبيناً أن انطلاقة "حراك شعب المواطنين" والبرنامج الأول لحزب "العمال" أيضاً في انتخابات 2011، بُني على مطالب اجتماعية وعلى مطالب الشعب، فالجبهة مثلاً طالبت بعدالة اجتماعية، ورفع الأجر الأدنى المضمون إلى الضعف، وإيقاف الزيادات في الأجور للطبقات الوسطى لتوسيع قاعدة الاستهلاك، ولكنّ الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية" حمة الهمامي، ومباشرة بعد فوز "النهضة" ابتعد عن خطابه الأول وانخرط في خطابات أخرى لا علاقة لها بالمطالب الأولى للفئات الشعبية، وكل من يتبنى هذه المطالب سيكون معها.

وأوضح أن المرشح نبيل القروي اصطاد جمهوراً من خلف النخبة، فالنخبة كانت في اتجاه، وهو ذهب في اتجاه آخر ووجد الجمهور ينتظره، وسعيّد أيضاً وجد مواطنين ينتظرون خطاباً حول تعديل القوانين وتحسين أداء الدولة والابتعاد عن الهيمنة، وهي منطقة فارغة تنتظر من يتوجه إليها، وبالتالي وجد كلاهما جمهوراً ينتظره، فالقروي توجه إلى الفئات وإلى البطون الجائعة التي سرعان ما تبعته، وسعيّد وجد نخبة جائعة فكرياً آمنت به. وأضاف أن المطالب لا تزال معلقة، ولكن من التقط الرسائل نجح، والبقية فشلوا، فالانشغال بغير الموضوع الرئيسي هو ما قاد إلى فشل الطبقة الحاكمة والوجوه القديمة.
تعليق: