هل إيران إمبراطورية؟

هل إيران إمبراطورية؟

26 مارس 2015
+ الخط -
لا يزال الحلم الإمبراطوري يراود كل رجال الملالي في إيران، ومنذ نجاح ثورتهم عام 1979 بدأ الحلم، وكانوا يحاولون دغدغة شعور مواطنهم بهذه الأفكار من أجل تنفيذ مأربهم وطموحهم الذي لا يعرف حدوداً، فالشعور الإمبراطوري هو شعور كل الإمبراطوريات القديمة التي اندحرت ونثرت غبارها في تاريخ الزمان المجهول.
مفهوم الإمبراطورية هو بسط سلطة دولةٍ ما على أراضٍ خارجية واسعة، وعلى عدة مجموعات عرقية، أما عظمة الإمبراطورية فترتكز أساساً على اتساعها وتعداد سكانها واقتصادها ومدة بقائها، إضافة إلى عوامل أخرى، كطبيعة الحكم فيها، ورضا الشعوب عنها، وعن تصرفاتها السياسية والاقتصادية.
يحاول الحلم الفارسي التوسّع على حساب الشيعة العرب، في مناطق لا تملك فيها إيران أي نفوذ، بل عدائية وكراهية مطلقة، من المكونات الاجتماعية والسياسية والعرقية. ومنذ اندلاع الحرب العراقية، كان شعار الدولة الإسلامية أن طريق فلسطين لا يمر إلا عن طريق بغداد، وعلى الرغم من تعاملهم مع أميركا ومع إسرائيل في فضيحة "إيران غيت"، بقي الشعار، حتى احتلت بغداد وشنق صدام انتقاماً من العرب والعروبة والسنّة.
طبعاً الحقد كبير على العراق وجيشه الذي دخل الأراضي الإمبراطورية، وجعل الدولة وولي الفقيه يتجرعان السم عقب اتفاق الهزيمة، كما وصفه قائد الثورة الإمام الخميني، لكن وصيته تكمن في إكمال الطريق إلى احتلال بغداد، العمود الفقري للعرب والعروبة. ويقولها الإمام حرفياً: "عندما تنتهي الحرب مع العراق، أريد أن نحلم بحروب أخرى كي يرفرف علمنا عالياً". فالدولة الإيرانية، التي توسعت في دول العرب من دون خسائر تذكر، جعلت منها ومن قادتها التفكير بالسطو أكثر فأكثر على دول العالم العربي، والعمل بجدية على تفكيك الدول العربية وتخريبها، بإدخالها في حروب أهلية ومذهبية تهلك مكوناتها.
حاولت إيران استثمار ثورات الربيع العربي، وترويجها على أنها استكمال لمشروع الثورة الإسلامية الإيرانية في نشر الصحوة الإسلامية، والتي كانت تستخدم هذا المصطلح في أدبياتها ووسائل إعلامها، لكنها تراجعت عن ذلك بإحراجها لتأييد الثورة العربية، ورفضها تأييد الثورة السورية التي أربكتها، وانتظرت عدة أشهر صامتة، بانتظار المواقف الدولية التي خيّبت آمال الثوار والشعب السوري، ما دفعها إلى التدخل مباشرة في قمع الثورة، باستخدام مليشياتها وشراذمها المرتزقة من المناطق العربية والإسلامية لمقاتلة الأمويين انتقاماً لمقتل الحسين بن علي.
حاولت إيران إطلاق التصريحات، من هنا أو هناك، بأنها أقوى، وموجودة على المتوسط، ولكن مع دخول الحرب مرحلة جديدة، وتشكيل التحالف الدولي لمقاتلة "داعش"، دخلت إيران الحرب لتقوية نفوذها، ولتحسين شروطها في التفاوض مع الدول الكبرى على مشروعها النووي. عرفت الدبلوماسية الأميركية مشروع أوباما القاضي بإنجاز صفقة معها، ومحاربة "الدواعش"، ولكن من دون تدخله المباشر في المعركة، أخذت المبادرة ودفعت بجنرال الإعلام، قاسم سليماني، إلى قيادة المعركة ضد الإرهاب، مع تغزّل أميركي بشخصه وببطولاته. وكانت إيران ترسل رسالة لأميركا تريد تفويضاً مباشراً منها في معركتها ضد الإرهاب، وبالتالي، يمكن أن يتم الاتفاق على الثمن المطلوب.
دخل الإيراني في ثلاث جبهات عسكرية، مباشرة في درعا، في الجنوب السوري، والقريبة من الحدود الفلسطينية، وكأنه يقول لا تفاوض مع إسرائيل بدوني، لأن الفيصل في هذا القرار هي الجمهورية الإسلامية. والثانية كانت في حلب، والتي كنت ترسل رسالة لتركيا أن سورية منطقة نفوذ إيرانية، ولا داعي للتدخل في هذا النفوذ.
والثالثة كانت تكريت، لما تحمله من رمزية تاريخية للطائفة السنية، لكونها موطن صدام حسين وصلاح الدين الأيوبي، وهي رسالة للعرب والسنّة أن العراق وخط الهلال الشيعي هو ضمن النفوذ الإيراني، والغرب بات على وشك الاعتراف بهذا النفوذ. وقد سارعت إيران بإعلانها، أول مرة عن أسماء وضباط كبار مضوا في هذه المعارك، فالخسائر كبيرة، وطهران لم تتعوّد على هذه المشاهد منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في العام 1986. لكن المشكلة كانت صمود الثوار والمشاركين في صد الغزوة الإيرانية في كل الجبهات التي فتحت، واستخدم فيها الحرس الثوري كل إمكاناته المالية والإعلامية والعسكرية والبشرية ضد بضع مئات، بغض النظر عن تصنيفهم. 
وقد ساهم هذا التوجه برفع الصوت عالياً في طهران، وسط ملاليها وقادتها، باستخدام العبارات والتصاريح المختلفة، من دون التفكير المنطقي والواقعي بما يحدث على الأرض، وكأن الأرض خالية من سكانها، وتستدعي وريثاً سريعاً لها. ذهبت إيران لنقل المواجهة إلى اليمن الذي أصبح غير سعيد، بسبب تصورات الإمبراطورية وطموحاتها التي تقضي بالتوسع والخروج من المركز نحو الأطراف، لكن اليمن لم يكن هادئاً، كما توقع رجال الملالي أنهم أصبحوا يسيطرون على أربع عواصم عربية، فاليمن لن يكون سهلاً عليه استيعاب تجربة الثورة الإسلامية التي لا تنذر إلا بالفشل، ما ينذر بحرب أهلية ومذهبية طويلة وطاحنة سعّرت إيران لهيبها.
إيران تسيطر في مناطق ودول عربية، ولها يد في التعطيل، لكنها غير مهيمنة، لأن الهيمنة يلزمها استقرار اقتصادي وسياسي وإمكانية مادية واسعة، ليس كما حالة إيران، تنتظر أي اتفاق من أجل الإفراج عن أموالها التي باتت بحاجه إليها لكي لا يحدث الانفجار الكبير في الداخل، وربما هذا ما يريده الغرب، بالضغط على إيران، وتوريطها في مستنقعات الدم العربية لإضعافها.
ومن هنا، لا بد من القول إن كلام علي يونسي، مستشار الرئيس حسن روحاني، أن إيران أصبحت إمبراطورية "ساسانية" قديمة، وعاصمتها بغداد، كان تسرّعاً كبيراً في إعلان نفسها إمبراطورية، وهي على قاب قوسين من الانهيار والمشكلات القومية والاقتصادية تعصف بها داخلياً، والحروب والضغط باتت تحاصرها خارجياً.
avata
خالد ممدوح العزي (لبنان)