هل أوشكت الكتلة الحرجة في مصر على التجمّع؟

12 أكتوبر 2019
الصورة
فوجئت في الأسابيع الماضية، وأثناء حالة الاستقطاب المصرية المتكرّرة على الإنترنت، بأقارب لي على الإنترنت يهاجمون فكرة التظاهر بشكل هستيري، بأسلوب أشبه باللجان الإلكترونية، على الرغم من أنهم أشخاص حقيقيون، وليسوا من داعمي السلطة، ليسوا فاسدين وليست لهم أنشطة تجارية أو استثمارية، يعانون مثل أي مواطن مصري. ليس لهم قريب في الشرطة أو الجيش، ولا علاقة لهم بالأجهزة الأمنية، وليست لديهم مناصب مرموقة، ولا يستفيدون من منظومة الفساد، ولا يحققون مكاسب من نفاق السلطة، ولكنهم يهاجمون بضراوة كل دعوات التظاهر ضد السلطة الحالية، ينشرون صور عبد الفتاح السيسي والعبارات المصاحبة التي تتمنّى له النصر على المخرّبين، ويتهمون مَن يرغب في التظاهر بتنفيذ الأجندات ضد الوطن، ومحاولة تدمير الجيش المصري. 
شعرت بالغضب الشديد والنقمة عليهم في الوهلة الأولى. إنها أشبه بطعنة من الخلف من داخل العائلة، كيف يفعلون ذلك، وهم يعايشون بأنفسهم ما حدث لأسرتنا، ويتابعون كل ذلك الهم والكدر بسبب تلك السلطة؟ لقد تابعوا ما حدث لي من ظلم، وعايشوا مرض والدتي، وعدم تمكّني من الوجود معها في التحاليل والعلاج الكيميائي، بسبب إجراءات المراقبة اليومية في قسم الشرطة. يعلمون أن أخي تم حبسه ظلما منذ شهور بدون ذنب، على الرغم من ابتعاده عن أي نشاط سياسي منذ سنوات، فكيف يساندون مَن أمر بحبسي منذ ست سنوات وحبس أخي منذ ستة أشهر، وهم يتابعون بأنفسهم تفاصيل عقوبة المراقبة بعد السجن، وكل ذلك التضييق الذي أعاني منه، أنا وعائلتي.
في لحظة غضب لحظي، فكرت في إزالتهم من قوائم الأصدقاء على "فيسبوك"، أو الاتصال بهم ولومهم على تأييدهم من تسبب في تحويل حياتنا جحيما. ولكن مهلا، إنهم ليسوا مغرضين، ففي 
الفترة نفسها، تابعت حواراتٍ بين عمال في مواقع إنشاءات أعمل فيها، وبين بسطاء يتحدّثون في وسائل المواصلات علانية عن محمد علي وضرورة النزول، وأيضا عمال آخرين وبسطاء يرفضون بشدة أي محاولات للثورة أو خروج ضد النظام. كثيرون من الضحايا يعانون في حياتهم أشد المعاناة من تراكم الديون وارتفاع الأسعار وضآلة الرواتب، بالإضافة إلى المعاناة من الفساد والغباء في المعاملات الحكومية، ولكنهم يخشون من الأسوأ، من المجهول، من الفوضى المصاحبة للثورات. إنهم حزب الكنبة الذي عانى من غياب الأمن، ومن انتشار السطو والفوضى خلال سنوات الثورة. وهذه المرة، ربما تكون الفوضى أكبر وأشد بسبب وجود مخاطر جديدة، ومستجدات وغضب كبير يفوق ما كان موجودا في عهد حسني مبارك. إنهم الناس أنفسهم ذوو المزاج المحافظ المتوجسون والمتخوفون من التغيير، والمرتاعون كذلك من تجربة الإخوان المسلمين.
ألقت فيديوهات المقاول الفنان محمد علي حجراً في المياه الراكدة، وحرّكت قطاعات شعبية كثيرة. وكان متصدّرا أحداثا أخيرة. وقد أجبر حديثه الذي كان جذّابا وقتها لقطاعات كثيرة السلطة على رد الفعل، فانعقاد مؤتمر الشباب في غضون بث هذه الفيديوهات، مثلا، اعتراف ضمني بما ورد فيها واعتراف بتأثير صاحبها. وقد دللت جملة الاعتقالات المستمرة على ذعر القائمين على السلطة من أي هبّة أو خروج مفاجئ، ثم كانت التصريحات التي تم إطلاقها أخيرا لامتصاص الغضب، مثل التي بشأن إعادة فحص حالات من تم حذفهم من منظومة دعم السلع التموينية.
ولكن أيضا يمكن القول إن ما حدث من نتائج أثبت كذب الشائعات التي تم ترويجها، في بداية انتشار الفيديوهات، أن محمد علي مدعوم من أجنحة داخل منظومة الحكم، أو المقولات التي انتشرت عدة أيام، وتزعم أن انقلابا وشيكا على غرار 3 يوليو/ تموز 2013. كما أن محمد علي وداعميه لم يقدّموا طرحا سياسيا يزيل مخاوف الناس من المخاطر ومن المجهول، بل جدّد أداء اللجان الإلكترونية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين ودعمها محمد علي مخاوف قطاعات شعبية كثيرة، بالإضافة إلى تحول دعواته إلى التظاهر، أو الخروج إلى دعواتٍ عشوائية تشبه سابقتها.
كنت من المتحفّظين على أداء المقاول محمد علي ودعوته إلى التظاهر العشوائي. وأعلنت استبعادي فكرة أن هناك دعما له من أجنحة أو أفراد من داخل المنظومة. وعلى الرغم من حدوث بعض التظاهرات في الجمعة الأولى يوم 20 سبتمبر/ أيلول، بعد مباراة فريقي الأهلي والزمالك، إلا أن العامل الرئيسي كان التوقيت، فبعد مباريات الناديين هذين تكون الشوارع مكتظة ومحتشدة بالفعل، ولكن ذلك ليس معناه أن هناك رغبة أو قدرة حالية للخروج في ثورة جديدة، فرفع سقف التوقعات هو الذي أصاب كثيرين بموجة إحباط جديدة.
أتذكّر مقولة أو تنظيرة كنّا نتداولها في الأشهر القليلة بعد ثورة يناير 2011، عن الفرق بين الميدان المحشود والميدان المحتشد، فالمحشود هو الذي تكون هناك قوى سياسية تقوم بالحشد 
والتجهيز والتعبئة، ولكن ذلك الحشد السياسي قد لا يعبر بصدق عن توجهات الشارع وميله ومزاجه. أما الميدان المحتشد فهو الذي تكون القوى الاجتماعية أو الشعبية أو الممثلة لقطاعات المجتمع محتشدة بطبعها، وبشكل شبه تلقائي، وراغبة في النزول، ومستعدة للتضحية من أجل حياة أفضل. في هذا الوقت، تكون هناك كتلة حرجة راغبة في التغيير، وقادرة على التغيير ومحتشدة. وقتها يكون دور القوى والمجموعات السياسية المنظمة هو التنظيم والتوجيه والإرشاد للجماهير والتوافق والاتفاق في ما بينها، أو التفاوض وتمثيل الجماهير والتعبير عن تطلعاتها، ولكن لا يزال هناك وقت كثير حتى تتجمع تلك الكتلة الحرجة، وتهزم مخاوفها من المجهول، ووقت كثير حتى تكون هناك قوى منظمة ممثلة ومعبرة عن تلك الكتلة الحرجة، أو الجماهير المحتشدة، فالأزمة لا تزال قائمة. وعلى الرغم من حالة الغضب الشعبي الكبير والمتزايدة، إلا أن قطاعات شعبية ضخمة تقاوم أي محاولة للتغيير أو الإصلاح، خوفا من المجهول، أو هلعا من احتمالات الفوضى. ولا تزال أسئلة عديدة بلا إجابات عنها، مثل هل تخلى التيار الإسلامي عن حلم الخلافة؟ هل تمت معالجة تشابك العلاقات المدنية والعسكرية؟ كيف ستتنازل المؤسسة العسكرية عن امتيازاتٍ لا يمكن حصرها تراكمت خلال العقود الماضية؟ وهل ستتخلى المؤسسة العسكرية عن السلطة بتلك السهولة؟ تم ارتكاب مذبحة بدم بارد منذ ست سنوات، على الرغم من الإدانات الدولية ورفض عدة قوى ثورية، فما بالك واليمين يحكم الآن في معظم الدول الغربية.
السؤال الأهم: ماذا بعد؟ من الذي سيتفاوض وقتها، ولا يوجد برنامج أو نقاط تفاهم أو كيان ليجمع كل من هو معارض للسلطة الحالية؟ وعلى ماذا سيتفاوض؟ لم نصل بعد إلى الكتلة الحرجة الراغبة في التغيير، وهي التي تكونت عام 2011، بعد تراكمات طويلة، واستطاعت الاحتشاد في الميادين. كما أنه لا توجد قوى سياسية حالية قادرة على الحشد، والأسوأ أنه لا يزال هناك افتقار للحد الأدنى من التوافق بين من تبقى من المجموعات السياسية. ولا يجب تجاهل أنه لا تزال هناك حالة من الخوف والهلع، تعيق وتمنع أي محاولة للتحرك، خوف من الفوضى التي صاحبت الثورة، وأضرّت ناسا كثيرين، خوف من تخبط الثوار والقوى التي كانت ممثلة للثورة في 2011، خوف من دم وعنف أو حرب أهلية، وخوف من غرور الفصيل السياسي الأكبر وعنجهيته، وهو الذي إن تمكّن مرة أخرى سيحاول فرض رؤيته ومنهجه بالقوة على باقي المصريين، تحت شعار حلم الخلافة وتطبيق شرع الله.
ولذلك لم أعد أحمل أي ضغينة للأقارب الذين أصبحوا يكرّرون مزاعم السلطة بدون وعي. وهناك ملايين مثلهم يعانون أشد المعاناة من سياسات النظام الحاكم في مصر، لكنهم يخافون من مجرد احتمالية التغيير. والخوف من المجهول ليس خطأهم بالأساس.
تعليق: