"وول ستريت": بن سلمان حاول بناء إمبراطورية إعلامية تشيطن الخصوم وتجمّل السعودية

08 فبراير 2019
الصورة
العملية يقودها بن سلمان لتجميل صورة الرياض (Getty)

في إطار سعيه إلى بناء إمبراطورية عالمية لمهاجمة خصوم المملكة العربية السعودية وإعادة تشكيل صورتها في الغرب، التقى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الرئيس التنفيذي في الشركة الإعلامية الأميركية "فايس ميديا"، شاين سميث، العام الماضي، على متن يخت قبالة ساحل البحر الأحمر.

وقد نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، اليوم الجمعة، تقريراً موسعاً عنوانه "المملكة العربية السعودية التمست مساعدة (فايس) في بناء إمبراطورية إعلامية". وأشارت فيه إلى أن اللقاء بين بن سلمان وسميث هدف إلى رفع مستوى التعاون بين الطرفين، بعدما كانت "فايس" وُظفت في إنتاج أفلام وثائقية حول الإصلاحات الاجتماعية في المملكة، وفقاً لأشخاص اطلعوا على مضمون اللقاء.

وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن محمد بن سلمان كان يطور استراتيجية واضحة، سعياً إلى بناء إمبراطورية إعلامية عالمية لمحاربة خصوم المملكة وإعادة تشكيل صورتها في الغرب، وفقاً لمصرفيين ومستشارين وأشخاص مطلعين على المشاريع السعودية في القطاع.

ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أن جهود المملكة في هذا الإطار أصحبت أكثر صعوبة، بعد اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي سياق متصل، أشارت إلى المحادثات التي جرت مع "فايس ميديا" بخصوص شراكة لا يبدو أنها ستحقق أي تقدم. وأضافت أن "فايس ميديا" قالت إنها بصدد مراجعة الصفقات التي أبرمتها مع "المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" (إس آر إم جي) التابعة للحكومة، لإنتاج أفلام وثائقية عن المجتمع السعودي.

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن التواصل الأول مع "فايس" جرى عام 2017، عن طريق السفير السعودي في واشنطن والشقيق الأصغر لولي العهد، خالد بن سلمان الذي رأى أن المنصة قادرة على جذب الشباب السعودي، أسوة بالمنصات الرقمية مثل "يوتيوب".

وبعيداً عن "فايس"، وسعت "المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" فعلاً نطاق التأثير السعودي في الإعلام، بلغات عدة، بينها الفارسية. إذ تدير مشروعاً مشتركاً في البث مع شركة "بلومبيرغ"، ومشروعاً إخبارياً مع صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية التي تكتفي بنسختها الإلكترونية منذ عام 2016، لإنتاج محتوى بالعربية والفارسية والتركية والأردية. وقد أُطلق موقع "إندبندنت عربية"، في 24 يناير/كانون الثاني الماضي.


المواقع كلها تتملكها وتديرها "المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" التي تولى رئاستها الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود الذي غادر منصبه، في يونيو/حزيران الماضي، ليصبح وزيراً للثقافة في المملكة.

وكان الأمير بدر بن عبد الله قد تصدر عناوين الأخبار العربية والعالمية، بعدما اشترى لوحة "مخلّص العالم" لليوناردو دي فينشي بـ 450 مليون دولار أميركي، نيابة عن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وفق تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، في ديسمبر/كانون الأول عام 2017.

وكان رجل الأعمال السعودي، سلطان محمد أبو الجدايل الذي يشتهر بإدارة أموال الأسرة الحاكمة السعودية في الخارج تحت اسمه، قد اشترى 30 في المائة من أسهم "إندبندنت"، في مايو/أيار الماضي، علماً أنه لم يظهر اهتماماً إزاء الاستثمار في الإعلام البريطاني قبل ذلك.

ووسط الانتقادات التي تواجهها مؤسسات إعلامية أميركية وبريطانية لتعاونها مع السلطات السعودية، اتخذت بعضها خطوات لـ"الحفاظ على استقلاليتها التحريرية"، وفق ما زعمت. إذ عينت "إندبندنت" مستشارين لمراقبة المواقع الأجنبية المنتجة مع المجموعة السعودية، لضمان استيفاء المعايير التحريرية. وفرضت وكالة "بلومبيرغ" قواعد تحريرية، لضمان الاستقلالية في تعاونها مع المجموعة نفسها، عبر موقع "بلومبيرغ الشرق"، وفق ما أفادت مصادر مطلعة لـ"وول ستريت جورنال".

وكانت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية كشفت، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن القناة التلفزيونية الإيرانية "إيران الدولية" Iran International، مقرها المملكة المتحدة، تتلقى تمويلاً من شركة خارجية سرية يديرها رجل أعمال سعودي مقرّب من ولي العهد، محمد بن سلمان.

وأفاد مصدر لـ"ذا غارديان" أن ولي العهد السعودي يقف وراء قناة "إيران الدولية". ولم تنف المحطة تلقيها تمويلاً من المملكة العربية السعودية. وزعم المصدر نفسه أن سعود القحطاني شارك في تمويل قناة "إيران الدولية"، علماً أنه كان أحد كبار مستشاري ولي العهد، محمد بن سلمان، قبل أن يُعفى من مهامه في إطار تداعيات قتل خاشقجي. وهو المسؤول أيضاً عن "الذباب الإلكتروني" السعودي على موقع "تويتر".

وأفادت مصادر مطلعة أن المحتوى التحريري للقناة يخضع لتأثير المستثمرين السريين الذين تستروا وراء شركة في جزر كايمان.


ولفتت "ذا غارديان" إلى أن الشركة التي تدير القناة الإيرانية، "فولانت ميديا" Volant Media، تضم مسؤولاً اسمه عادل عبد الكريم الذي يحمل الجنسية السعودية. ولدى عبد الكريم علاقة عمل طويلة مع المديرين التنفيذيين السعوديين، وبعضهم لديه روابط مع البلاط الملكي، وبينهم عبد الرحمن الراشد، العضو في مجلس إدارة "المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" (إس آر إم جي).

وزعمت مصادر عدة أن الراشد، المدير العام السابق لقناة "العربية" الإخبارية التي تملكها السعودية، شارك أيضاً في عمليات تمويل القناة الإيرانية المذكورة.

وفي مارس/آذار الماضي، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية عن جهود رئيس شركة "أميريكان ميديا" التي تملك الصحيفة الشعبية "ذا ناشيونال إنكويرير" الأميركية، ديفيد جاي. بيكر، وصديقه القديم، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في التودد إلى المملكة العربية السعودية وولي العهد، محمد بن سلمان.

هذه الجهود تكللت بمجلة نشرتها شركة بيكر، في مارس/آذار الماضي، وخصصت لتلميع صورة محمد بن سلمان. إذ نشرت شركة "أميريكان ميديا إنك" مجلة من 97 صفحة هدفها الترويج الدعائي للمملكة العربية السعودية وولي العهد. تصدر محمد بن سلمان الغلاف، وحوله عناوين دعائية عريضة مثل "القائد العربي الأكثر تأثيراً يغير العالم في سن الـ 32"، من دون التطرق إلى دور المملكة في حرب اليمن، أو المخاوف من انتهاكها حقوق الإنسان، وحملة الاعتقالات التي قادها ولي العهد، قبل زيارته حينها إلى الولايات المتحدة الأميركية.

"المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق" فرضت سيطرتها أيضاً على المؤسسات الإعلامية السعودية، إذ استثمرت، عام 2015، في الصحيفة الإنكليزية "عرب نيوز" وصحيفة "الشرق الأوسط". واستحوذت الحكومة السعودية على "مجموعة إم بي سي" وقناة "العربية" أخيراً.

يذكر أن منظمة "مراسلون بلا حدود" صنفت المملكة العربية السعودية في المرتبة 169 من بين 180 دولة على مؤشرها العالمي لحرية الصحافة. وأكدت أن المملكة ليس لديها "إعلام مستقل" و"مستوى الرقابة الذاتية فيها شديد الارتفاع".

كما أن المملكة العربية السعودية شاركت مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في معارك هدفها السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي والمؤسسات الإعلامية واستثمارها في غايات سياسية، ومن بين ما كشف في هذا الإطار جاء في تقرير لمنظمة "سبن واتش" تضمن تسريبات عن نشاط اللوبي الإماراتي في بريطانيا للتأثير على صناع القرار، إضافة إلى التغطية الإعلامية البريطانية حيال قضايا الشرق الأوسط بما يتناسب مع رؤيتها، وخاصة بعد بدء الحصار الرباعي على دولة قطر.