صناعة الأزياء: هكذا تقتل الموضة الكوكب وسكّانه

19 اغسطس 2019
الصورة
احتجاج بيئي أثناء إقامة أسبوع الموضة بلندن في فبراير(نورفوتو)
في شهر فبراير/شباط الماضي، وبينما كانت التحضيرات مستمرّة لثالث أيام "أسبوع لندن للموضة" (يعقد مرّتين في السنة)، قام ناشطون من مجموعة Extinction Rebellion البيئية، بتشكيل دروع بشرية حاصرت مكان إقامة الفعاليات، ما أدى إلى تعطيل اليوم بشكل كبير.

أرادت المجموعة البيئية البريطانية الشهيرة، تسليط الضوء على التلوّث الكبير الذي يسبّبه قطاع صناعة الأزياء حول العالم. وقد ارتدى الناشطون وقتها ملابس سوداء، حداداً على الأشخاص الذين دُمّرت حياتهم بسبب الاحتباس الحراري.

اليوم عاد "أسبوع لندن للموضة" ومعه مجموعة "إكستنكشن ريبليون" إلى الواجهة؛ إذ دعت هذه الأخيرة إلى إلغاء هذا الأسبوع المتوقّع انطلاقه في 13 سبتمبر/أيلول المقبل على أن يستمرّ لغاية 17 منه، ويعرض خلاله المصمّمون العالميون مجموعاتهم لربيع وصيف 2020.

ووجّه أعضاء المجموعة كتاباً إلى "مجلس الأزياء البريطاني BFC"، وهي الجهة التي تنظّم "أسبوع الموضة في لندن"، طالبوا فيه بإلغاء الفعالية، واستبدالها بـ"مجلس من المصممين والعاملين في هذه الصناعة، يحوّلون هذه المناسبة إلى منصة لإعلان حالة الطوارئ البيئية ". وبالفعل بدأ البعض بالتضامن مع هذا النداء، فأعلنت مثلاً مجلة "بريكس" البريطانية عن مقاطعة هذا الأسبوع. وكتبت رئيسة تحرير المجلة توري وست أنها دخلت هذا المجال، ليس لأنها معجبة بقطاع الأزياء بل لأنها أرادت تغييره، "أعلم أنه قد لا يكون لنا حضور كبير مثل معظم وسائل الإعلام والمجلات الموجودة في المملكة المتحدة، وربما لن يلاحظ معظم المصممين أننا لسنا في مقاعدنا، لكن كما تقول الناشطة البيئية غريتا ثونبرغ: ما من أحد صغير ليشكّل فارقاً في موضوع الاحتباس الحراري".

Instagram Post

لكن فعلياً، ما هو الأثر البيئي الحقيقي لقطاع صناعة الأزياء؟ وكيف يساهم في الاحتباس الحراري؟ الملوّث الأكبر في هذا القطاع هو صانعو "الأزياء السريعة"، وهو التعبير الذي استخدم مطلع التسعينيات لوصف خطّ الأزياء الذي أنتجته شركة "زارا" الإسبانية، التي غزت الأسواق العالمية، من خلال مجموعة كبيرة من التصاميم الشبابية المواكبة للموضة، بأسعار رخيصة ومتوسطة. وبسرعة التحقت بها شركات محلية كثيرة أصبحت عالمية مثل "مانغو"، و"فوريفر 21"، و"إتش أند أم" السويدية، و"توب شوب"، و"بريمارك"... وفي سنوات قليلة، غيّرت هذه الماركات العادات الاستهلاكية لدى المشترين. وتذكر دراسة لمؤسسة "ماكينزي" أنه في العام 2014، اشترى المستهلك العادي (صاحب المدخول المتوسط) 60 في المائة من الملابس الإضافية مقارنة بنفس المستهلك العادي في العام 2000. كما اشترى الأميركيون عام 2014 خمسة أضعاف كمية الملابس التي اشتروها في العام 1980".

ولقد لجأت الشركات المنصعة للأزياء السريعة إلى خطة تؤمّن لها الحدّ الأقصى من الربح مقابل حدٍ أدنى من المصاريف، وهو ما يعني كمية أكبر من النفايات، واستهلاكا أكبر للمياه، وتلوثا وانبعاثات أكبر، واستغلالا أكبر للعمال في الدول النامية. إذ تصمّم أغلب هذه الشركات ملابسها في أوروبا، وتنفذها في الصين والهند وبنغلادش وفييتنام، بواسطة عمّال غالباً ما يتقاضون مبالغ زهيدة، ويعملون لساعات طويلة في ظروف غير إنسانية.

صناعة الأزياء السريعة تشجع أيضا ًعلى إنتاج ملابس ذات جودة أقل. وهذه الجودة الرديئة نادراً ما تزعج المستهلك، إذ إنّ سرعة تغيير أنماط الموضة التي خلقها النظام الاستهلاكي، تؤدي إلى تغيير الملابس في كل موسم. وهنا أيضاً مشكلة بيئية أخرى، إذ إن رمي الملابس بعد استهلاكها في موسم واحد فقط، من قبل الشركات ومن قبل المستهلكين أدى إلى ظهور كميات هائلة من الملابس ــ النفايات. 10.46 ملايين طن من الملابس انتهى بها المطاف في مدافن النفايات في الولايات المتحدة في عام 2014.

مشكلة بيئية أخرى تسببها المواد التي تصنع منها الملابس السريعة. فنسبة القطن في هذه الأزياء موجودة بمعدل 40 في المائة، أما المواد المصنعة مثل البوليستر والنايلون فموجودة بنسبة 72 في المائة. وللنوعين أضرارهما البيئية. القطن يستهلك كميات ضخمة من الماء. وكدليل على الأثر البيئي للقطن يذكر موقع "إيكو إنرجي"، أن الاتحاد السوفييتي قام في ستينيات القرن الماضي بإعادة توجيه نهرين يغذيان بحر آرال للحفاظ على مزارع القطن في أوزبكستان وكازاخستان، وهو ما أدى تدريجياً إلى جفاف البحر.

أما بالنسبة للأقمشة المصنّعة، فإنها ونتيجة طبيعتها الصناعية، تؤدي إلى انبعاثات عدةّ، أبرزها لأوكسيد النتيروز. كما أن النيلون والبولييستر يتفككان في عملية الغسيل، ما يؤدي إلى تراكم المواد البلاسيتيكة في أنظمة المياه في منازل المستهلكين، وتدخل بعدها بشكل تدريجي في الأغذية التي تغسل وتطهى عبر هذه المياه.

أما المشكلة الأبرز فتبقى في تفريغ مصانع النسيج، التي تتعامل بشكل مباشر مع دور الأزياء، المواد الكيميائية غير المعالجة في الأنهر وهي مسؤولة عن بعض الأنهر الأكثر تلوثًا في العالم، مثل نهر سيتاروم في إندونيسيا، ونهر اللؤلؤ في الصين (ثالث أطول نهر في البلاد)، فباتت غير صالحة لأي شكل من أشكال الاستخدام للبشر أو للأسماك والحيوانات الأخرى. لكن بسبب الفقر، يلجأ سكان المناطق المجاورة إلى هذه الأنهر للحصول على مياه الشرب والغسيل والاستحمام، وري أراضيهم. وقد تم العثور على معدلات عالية من السرطان والأمراض الأخرى في المجتمعات التي تعيش بجوار هذه الأنهر التي لوثتها مصانع النسيج.