هكذا تتخوف الأسواق من إنزلاق التوتر بالخليج إلى حرب

23 يوليو 2019
الصورة
المضاربون خائفون من الركود الاقتصادي (Getty)





لم تخفّض وكالات التصنيف العالمية تقييم السندات السيادية لدول الخليج بسبب التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة حتى الآن، وذلك لأنها لا تضع في حساباتها أن يتطور التوتر العسكري إلى مرحلة الحرب، رغم رغبة بعض الأطراف الحليفة للولايات المتحدة في حدوث ذلك.
يلاحظ في هذا الصدد، أن وكالة التصنيف الائتماني العالمية "ستاندرد آند بورز" ثبتت، في الأسبوع الماضي، التصنيف الائتماني السيادي للكويت عند المرتبة الممتازة مع نظرة مستقبلية مستقرة للتصنيف.

وتعتقد وكالة "ستاندرد آند بورز" الأميركية للتصنيف الائتماني أن سيناريو الحرب غير وارد حتى الآن، رغم ازدحام منطقة الخليج بالسفن الحربية والطائرات، وتزايد عنف حرب الناقلات، التي ترتفع حدّتها يوماً بعد يوم.

وترى الوكالة، في تحليل بهذا الصدد، أن مضيق هرمز سيظل مفتوحاً أمام الملاحة البحرية ولن تغلقه إيران. وهو تحليل يوافقها فيه العديد من محللي الطاقة وأسواق المال العالمية.

ولكن الوكالة تضع في تقييمها التداعيات السالبة للتوتر العسكري في المنطقة على أسواق المال العربية والتدفقات الاستثمارية وأسعار التأمين. وحتى الآن، تراجعت أسواق المال في العديد من البورصات العربية، خاصة في السعودية وأبوظبي، كما هربت استثمارات تقدّر بحوالى 80 مليار دولار من السعودية، خلال العام الماضي، حسب تقديرات مصرف "جي بي مورغان" الأميركي. يضاف إلى ذلك أن مصارف الاستثمار الأجنبية نقلت مقارها من مركز دبي المالي.

وما يهم العالم من منطقة الخليج هو إمدادات الطاقة، التي تعد من أهم محركات الاقتصاد العالمي وأسواق المال. حيث يقدر حجم سوق النفط السنوية بحوالى 1.71 تريليون دولار. كما يعد البترودولار من أهم الشرايين التي تمد تدفقات السيولة في المصارف التجارية وبالتالي نمو الاقتصاد العالمي.

وحسب تقييم وكالة "ستاندرد آند بورز" في تقرير حول مستقبل التوتر، فإن التداعيات الكارثية للمواجهة العسكرية على العالم والمنطقة الخليجية، خاصة حلفاء أميركا في أوروبا وآسيا والخليج، ستمنع الإدارة الأميركية من خوض حرب ضد إيران. كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دشن حملته الانتخابية لفترة رئاسية ثانية، وأن أعضاء كباراً في الحزب الجمهوري يعارضون الحرب، وقالوا في تصريحات إعلامية "إنها ستكون حرب ترامب وليست حرب الحزب الجمهوري".


على الصعيد الإيراني، ترى وكالة "ستاندرد آند بورز"، أن طهران ليست لديها مصلحة في الحرب، لأنها ستضعف نفوذها الإقليمي، كما ستضاعف من أزمة الاقتصاد والأزمات المعيشية لمواطنيها. ولكن غياب المصالح الاقتصادية بين إيران وأميركا ربما سيفاعل من حدة التوتر العسكري.

غير أن هذا التحليل لا يمنع أن تقوم إدارة الرئيس ترامب، تحت ضغط الصقور وضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بضربة خاطفة لبعض الأهداف الإيرانية. في حال حدوث ذلك، كيف ينظر خبراء الطاقة والمال للتداعيات على الاقتصاد العالمي وأسواق المال؟


على الصعيد العالمي، يرى مصرف نومورا الياباني، أن اقتصادات الهند واليابان وكوريا الجنوبية ستكون الأكثر تأثراً من أي نزاع عسكري محتمل في الخليج، بسبب اعتمادها المكثف على الخامات الخليجية. حيث تستورد الهند 80% من احتياجاتها النفطية، وثلثا هذه الواردات يأتي من المنطقة الخليجية.

وحسب تعليقات في تقرير نشرته صحيفة "إنديا تايمز"، قبل يومين، فإن كل ارتفاع في سعر برميل النفط بنسبة 10% سيزيد من عجز الحساب الجاري الهندي بحوالى 0.4% كنسبة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي. وتستورد اليابان حوالى 3.5 ملايين برميل من النفط العربي، كما تستورد كوريا الجنوبية حوالى 96 مليون برميل سنويا، حسب بياناتها الأخيرة.

من جانبه، يرى خبير الطاقة في مصرف "ساكسو بانك"، أولي سلوث هانسون، أن أية مواجهة عسكرية بين أميركا وإيران ستؤدي إلى ركود اقتصادي في أميركا والعالم، وأن أسعار المعادن ستنخفض في أسواق المال العالمية، بسبب ضعف الطلب، كما أن أسعار الذهب سترتفع كـ "ملاذ آمن " للمستثمرين.

ولكن هانسون يشير إلى نقطة خطيرة على مستقبل اقتصاديات دول الخليج، وهي أن المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج الغنية بالنفط ومخاطر قطع الامدادات ربما ستدفع الدول إلى التفكير في بدائل للنفط العربي، وربما بدائل طاقة للوقود الأحفوري بمجمله. ولا يستبعد أن تقلل دول العالم المستهلكة الكبرى للنفط من استخدام الوقود  الأحفوري بحلول  عقد الاربعينات. 

على صعيد الحرب التجارية والنفوذ الجيوسياسي، يرى محللون أن  أية مواجهة عسكرية ستزيد  من اعتماد الصين على النفط الروسي، وبالتالي تقوية التحالف بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والروسي فلاديمير بوتين.

أما البروفسور كين ميدلوك، كبير المديرين بمركز دراسات الطاقة في جامعة رايس الأميركية بتكساس، فيرى أنه "في حال حدوث ضربة عسكرية أميركية سترتفع أسعار النفط إلى مائة دولار للبرميل، ولكنها ستعود إلى الاستقرار مباشرة بعد الضربة لتحوم حول 80 دولاراً للبرميل". ويقول البروفسور ميد لوك إن "النفط الصخري الأميركي سيخفف من تداعيات الضربة، ولكنه لن يعوض أية اضطرابات تؤدي إلى توقف إمدادات النفط الخليجي".

على صعيد تداعيات المنطقة، يرى تقرير لوكالة بلومبيرغ، أن إمارة أبوظبي ستكون الأكثر تأثراً في حال حدوث نزاع عسكري من بقية دول الخليج، وحتى من السعودية، وذلك ببساطة لأن منشآتها النفطية تقع في محيط ضيق قريبة من إيران وبالتالي يمكن ضربها بسهولة، ومباشرة بقليل من الصواريخ، وأن الموظفين الأجانب سيغادرون، وبالتالي سيتوقف إنتاج النفط الإماراتي لفترة".

ويرى خبير الطاقة فريدريون فاشراكي، الذي عمل مستشاراً للحكومة الإيرانية في السبعينيات، أن "حقول الأوفشور الظبيانية يمكن ضربها بسهولة لقربها من إيران". كما توقع فاشراكي، أن تقوم طهران بهجمات سبرانية إلكترونية على المصارف والمنشآت النفطية في كل من أبوظبي والسعودية. وبالتالي لا يستبعد العديد من الخبراء التأثير المباشر للحرب على أسواق الطاقة العالمية.

ولكن يستبعد العديد من الخبراء احتمال قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف إيران العشوائي للسفن التجارية. في هذا الصعيد، يقول الخبير فاشراكي إن "فكرة إغلاق إيران لمضيق هرمز فكرة سخيفة، الإيرانيون يعلمون أن استهداف جميع الناقلات التي تمر عبر المضيق سيساهم في حشد البريطانيين والفرنسيين والجميع ضدهم في الحرب".

وفي ذات الصدد، يرى رئيس شركة "يورو أشيا" المتخصصة في أبحاث المخاطر، إيان بريمر، في تعليقات لوكالة بلومبيرغ نشرته قبل يومين، أن حدوث أية مواجهة عسكرية محدودة بين إيران وأميركا، لن توقف تدفق النفط العالمي على الأسواق العالمية، ولكن ناقلات بعض الدول ستتعرض للهجوم الإيراني.

من جانبه، يرى خبير الطاقة في مصرف "ساكسو بانك"، أولي سلوث هانسون، أن المواجهة العسكرية المحدودة لن تغلق المضيق. ويقول هانسون "ستبذل جهود دولية للإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً قبل توجيه الضربة العسكرية"، كما ستضع أميركا خطة لحماية ناقلات النفط الخليجية، خاصة الناقلات السعودية والإماراتية، وهما الدولتان اللتان تعتقد إيران إلى جانب إسرائيل، تشجعان أميركا على الحرب.

ورغم أن هانسون يستبعد تأثر إمدادات العالم النفطية بسبب ضربة أميركية محدودة لإيران، إلا أنه يعتقد أن أسعار التأمين على الناقلات التي تمر عبر مضيق هرمز سترتفع بمعدلات جنونية، أو ربما تتخلى شركات التأمين العالمية عن التغطية التأمينية لهذه الناقلات كلياً، وذلك ببساطة لأن هذه الناقلات تحمل شحنات تتراوح بين مليون ومليوني برميل، كما أن أسعارها تفوق 50 مليون دولار.

وبالتالي، فإن شركات التأمين ستتخوف من تراكم الخسائر وتتعرض للإفلاس. وكانت شركات التأمين العالمية قد رفعت أسعار التأمين على الناقلات التي تمر عبر مضيق هرمز بمعدل 10 أضعاف في الأسبوع الماضي، حسب صحيفة "نيويورك تايمز".