هكذا انتصر بشار الأسد

23 فبراير 2020
الصورة
معاناة مستمرة يواجهها السوريون (Getty)
+ الخط -

بالتزامن مع بلوغ سورية، من دون منافس، المرتبة الأولى عالمياً من حيث معدل الفقر، وتفوقها على زيمبابوي ومدغشقر وغينيا وسيراليون، خرج رئيس النظام بشار الأسد، عبر كلمة مختصرة ومتلفزة، ليعلن الانتصار، ولكن من دون أن يحدد الدلائل أو على من انتصر!!

بعيداً عن الواقع الميداني والعسكري المختلط، والمرشح إلى مزيد من التأزيم، بواقع حرب فلاديمير بوتين المقدسة، وسيطرة خمس دول ترفع أعلامها على الأرض السورية، مع غياب واضح لدور نظام الأسد، لدرجة أنه ألقى خطاب الانتصار عن حلب، من غرفة مغلقة في دمشق من دون أن يزور حلب.

سنسأل عن الانتصار بالمعنى المعيشي، تاركين جانباً، حتى قضايا الفساد والجريمة وسيطرة الغرباء، رغم ما لها من دور على حياة السوريين واحتمال أي انتعاش اقتصادي مستقبلي، سواء لجهة القدرة على استثمار الثروات والموارد، وبالتالي دوران عجلة الإنتاج، أو حتى جذب الرساميل والاستثمارات الخارجية.

تصدرت سورية، حسب بيانات موقع "World By Map" العالمي قبل أيام، قائمة الدول الأكثر فقراً في العالم، بنسبة بلغت 82.5%. ورغم يقيننا بأن هذه النسبة "قديمة وبائتة"، لأنها اعتمدت أرقام تقرير الأمم المتحدة للعام الفائت، ولم تأخذ بالاعتبار الفقر الذي تزايد مطلع العام الجاري، بعد تراجع سعر صرف الليرة إلى نحو 1100 ليرة للدولار الواحد، وغلاء الأسعار بنحو 30%، لكننا سنأخذ الخريطة الجديدة، كمؤشر طازج وحديث، لنستدل منه على انتصار النظام السوري.

هل وصول 83% من السوريين إلى الفقر المدقع و33% منهم إلى انعدام الأمن الغذائي و11.7 مليون سوري بحاجة إلى جميع أشكال المساعدات الإنسانية، كالغذاء والمياه والمأوى والصحة والتعليم، هو الانتصار الذي سعى إليه بشار الأسد؟!

وبصيغة من التفصيل لمن لا يعرف معاناة السوريين، وهنا لا نقصد نحو 4 ملايين سوري خارج سيطرة الأسد، بعد أن أبعدهم انتصاره عن بيوتهم وأرزاقهم إلى الحدود مع تركيا، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بانتظار مساعدات أممية وتحويلات ذويهم ليبقوا، فقط على قيد الحياة، ولو في خيام من قماش الديمقراطية الممزق.

بل الحديث عن مجتمع الانتصار الذي رأينا بعضه يهللون لكلمة الأسد ويرقصون على أوجاع أهليهم، أمام كاميرات التلفزة الوطنية.

إذ تشير بيانات لمراكز من داخل دمشق، منها مركز "قاسيون" على سبيل الذكر، أن تكاليف المعيشة الشهرية، قفزت مطلع العام إلى 380 ألف ليرة شهرياً لأسرة من خمسة أشخاص، بزيادة 5% عن العام الماضي، في حين أن الأجور بسورية الأسد، تراوح بين 75 و47 ألف ليرة، على حسب الفئة الوظيفية وقدم العامل... أبهذه البحبوحة والرغد المعيشي مقصد الانتصار؟

أو ربما رمى الأسد الابن بانتصاره إلى عودة السوريين لعصور ما قبل الكهرباء والمشتقات النفطية وتنوع السلة الغذائية على صعيد المعيشة، وإلى ما قبل اكتشاف النقد، بعد أن اعتمد اقتصاد المقايضة، ليصدّر غذاء السوريين إلى إيران وروسيا، ويستورد بدلاً منه ذخائر حربية ونفط!

أو ربما، وهو الاحتمال الأخير للانتصار، يرى وريث الحكم في دمشق، بعدد اللاجئين السوريين المسجلين في دول الجوار فقط، والبالغين 5.3 مليون لاجئ، والنازحين عن بيوتهم داخل سورية، 6.2 مليون، وبنحو 2.1 مليون طفل سوري خارج نطاق التعليم و1.3 مليون طفل مهددون بترك مدراسهم من أجل العمل في أي وقت، هو الانتصار.

نهاية القول: ربما بالصمت وعدم "التطبيل" إن لم نقل السخرية، حتى من مجتمع الموالاة لخطاب بشار الأسد الذي لم يزد على 10 دقائق، دليل على سخف مفهوم الانتصار لدى القائد المنتصر. إذ ثمة إجماع سوري اليوم، على أن الانتصار يبدأ من زوال صفر سورية المسمى بشار الأسد وانتقال سورية من مزرعة وراثية إلى دولة قانون، ليقين الجميع بأن التنمية أو أي عد تصاعدي مستحيل بوجود الرئيس.

ويستمر ربما الانتصار، بعد زوال المحتلين الذين استحضرهم المنتصر لبقائه على كرسي أبيه. وبعد هذين الشرطين، يمكن الحديث عن بدء الحياة بسورية، وليس الانتصار.

 

المساهمون