هكذا أصبح القطار جزءاً من ثقافة الهند

26 ديسمبر 2018
الصورة
الخطوط كثيرة والركاب بالملايين (باشاشان كومار/ Getty)

لسكة حديد الهند تاريخ طويل، يعود إلى عام 1853 الذي شهد انطلاق أول قطار. كان الدافع وراء ذلك، التجارة البريطانية فقط، ولا سيما المتعلقة بنقل القطن. وبمرور الوقت، أصبح القطار جزءاً من ثقافة الهند وتاريخها

عام 1947 استقلت الهند عن الاستعمار البريطاني الذي كان قد أنشأ أول سكة حديد في البلاد قبل ذلك بنحو قرن. في عام الاستقلال ذاك، كانت الهند تضمّ 42 نظاماً للسكك الحديدية. وفي عام 1951، جرى تعميم نظام القطار في مختلف أنحاء البلاد، لتصبح من أكبر شبكات القطار على مستوى العالم، كما باتت شريان حياة الشعب الهندي، وأحد أبرز الإنتاجات التي ما زالت تفتخر بها بلاد غاندي، بعدما كان بعض سكانها يظنون أنّ القطار شيطان يبصق النار.

لم تكن فكرة تشكيل شبكة القطار هندية الأصل، بل بريطانية بدأت قصتها نتيجة الاحتياج الأميركي - البريطاني للقطن. ففي عام 1846، حين كانت الهند تحت الاستعمار البريطاني، كان هناك فشل كبير في محصول القطن في بريطانيا والولايات المتحدة، وبالتالي بدأ التجار في مانشستر وغلاسكو في البحث عن أسواق وطرقات بديلة، ليبدأ الاهتمام بالهند والقطن الهندي، كمستعمرة بريطانية غنية بالقطن.



واجهت تجارة البريطانيين في القطن الهندي مشكلة كبيرة في بداياتها، وهي نقل البضائع من مختلف أرجاء الهند عبر السفن إلى أقرب ميناء لنقله إلى بريطانيا. وكان جمع القطن ونقله إلى الميناء يستغرق فترة طويلة. لذلك، اضطر البريطانيون إلى ربط الأراضي الداخلية الهندية مع الموانئ الرئيسية بسكك الحديد. كذلك، اعتبر القطار وسيلة أفضل وأسرع لنقل الجنود البريطانيين وكلّ من يساندهم من الهنود في الداخل.

نظراً لهذين الدافعين، وظفت بريطانيا المهندس اللورد داهلوزي، لدارسة إمكانية تصميم السكة الحديد، واقترح بعد الدراسة ربط ثلاث مدن هندية بعضها ببعض وهي: بومباي (مومباي حالياً) ومدراس وكلكتا. وباقتراح من المهندس جورج كلارك، جرى تشكيل شركة "خط بومباي الشرقي"، التي أنشأت سككاً بين بومباي ومدن ومناطق هندية أخرى.

هكذا أصبح قطار الهند مشهوراً في العالم بأشكال مختلفة. ومع كونه أكبر وسيلة للنقل، في بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر المدقع، يعتبر نظام السكك الحديد الهندية أكبر شبكة سكك حديد في آسيا، وثاني أكبر شبكة على مستوى العالم، مع قوة عاملة ضخمة من 1.65 مليون عامل. وتشير الإحصاءات إلى أنّ شبكة قطارات الهند تشغّل يومياً 11 ألف قطار، ويسافر فيها ملايين المواطنين في ربوع البلاد المختلفة. تقسم القطارات إلى أنواع عدّة بحسب الرسوم. وفي المجمل هي خمسة أنواع، يمكن لمعظم المواطنين شراؤها بحسب وضعهم المعيشي. ولها ميزات مختلفة بالرغم من الثغرات فيها، إذ إنّها تنظم رحلات يومية على شبكة من السكك الحديد متعددة المقاييس.

ما يميز قطاع القطارات في الهند أيضاً وجود مصانع لإنتاج القاطرات وعرباتها. كذلك تقدم القطارات خدمات دولية محدودة إلى نيبال وبنغلادش. وتساعد الخزينة الهندية بشكل كبير، كما باتت جزءاً لا يتجزأ من الشعب وثقافته.

واجه مشروع القطار الهندي عقبات كبيرة على مرّ التاريخ، لكنّه قاومها وبقي أكبر مشروع على مستوى المنطقة. كانت الحرب العالمية الثانية عام 1939 أول ضربة قوية للمشروع، إذ بات تحت ضغط كبير بعد تفكيك البريطانيين القاطرات والعربات ونقلها من الهند إلى الشرق الأوسط، علاوة على استخدامهم ورش السكك الحديد ومعدات القطار لتصنيع المعدات العسكرية. وعام 1947، عندما غادر البريطانيون الهند، وانفصلت عنها باكستان، انقسم نظام سكك الحديد وذهب جزء كبير إلى باكستان. لكنّ القطار الهندي تمكن من الخروج من كلّ الأزمات.



كذلك، فإنّ القطار الهندي أحد أسباب شهرة البلاد عالمياً، وذلك بسبب السينما الهندية، فأعداد كبيرة من الأفلام تحمل اسم القطار، من قبيل "قطار الحب"، و"قطار تشناي"، وأفلام كثيرة أخرى تدور رواياتها حول القطار.

أما الجانب المأساوي للقطار الهندي، فهو مقتل المئات سنوياً بسبب حوادث متنوعة، ويشير إحصاء إلى مقتل 15 ألفاً سنوياً في الهند بسبب حوادث القطارات، من بينهم ستة آلاف في مومباي وحدها. وكان البرلمان الهندي قد أسس ميزانية خاصة باسم ميزانية الحفاظ على الحياة لأجل تطوير قطاع القطار والسكة الحديد، بهدف تفادي موت المواطنين بسبب الحوادث. كذلك، شكل لجنة رفيعة قبل سنوات لمراجعة حالات الوفيات نتيجة الحوادث. آخر تلك الحوادث الكبيرة وقع في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إذ دهس القطار محتفلين في مدينة أمرتسر بإقليم البنجاب، فقتل أكثر من 50، وأصاب 200 آخرين بجروح وكسور.

على الرغم من كل تلك الثغرات في سكك حديد الهند، فهو يمثل تجارة رابحة من خلال نقل البضائع والركاب واستخدامه في الأفلام والمسلسلات الهندية، عدا عن كونه جزءاً عريقاً من الثقافة الهندية.