هزليات السياسة الأسدية (20)

12 يناير 2020
+ الخط -
قلت، بعد استراحة قصيرة في جلسة "الإمتاع والمؤانسة"، إن أهم عنصر من عناصر الدراما هو التحول الذي يطرأ على مسار الشخصية الإنسانية. ولئلا نبتعد عن حديثنا الذي كان جارياً قبل الاستراحة أوضحتُ أن الفتى "نديم شَفَلَّح" (الذي أصبح فيما بعدُ عضواً في مجلس الشعب وعُرف بكرهه الشديد لـ"الإرهابيون") كان فقيراً، بائساً، منحوساً، مكسورَ الخاطر في البيت والعمل والشارع، ولكن المصادفة التي تَحَدَّثَ عنها كمال، وتتلخص بعثوره على حقيبة فيها تعليمات للحصول على كنز مدفون في حي "البلليرمون" بحلب، غيرت مجرى حياته، فصار، بين عشية وضحاها، صاحب مطعم كبير..

وبعد أن كان معلمه يخاطبه بعبارة: روح ولاك، واسكوت ولاك، وتضرب في هالموديل، والعمى بقلبك شقدك طشنة.. صار هو صاحب مطعم، وصار عنده عمال وصناع، والكل ينادونه بلقب "الحجي".. بتؤمر حجي.

قال أبو محمد: هلق نحن ما كتير منفهم بالدراما، ولا بكل هالحكي.. منتظرين من الأستاذ كمال يتفضل ويحكي لنا تتمة القصة.


قال كمال: المطعم اللي فتحه "الحجي" نديم شفلح في عبارة الأوقاف بحلب كانْ مطعمْ ناجحْ لأبعدْ الحدودْ، وبسرعة البرقْ أخدْ شهرة واسعة، لأنه نديم شَفَلَّحْ اشتغل على مبدأ اقتصادي كتير ناجح.. وهوي إنك إذا بيجيك زباينْ كتارْ وبتاخدْ منهم ربح قليل، أحسن ما يجيك زباين قلال وتاخد منهم ربحْ كتيرْ، وهاي الفكرة مو ناجمة عن ذكاء نديم طبعاً، وإنما عن تواضعْ ودروشة وجُبْنْ.. المهم نديم، لحتى ينفذ الفكرة تبعه طلب من الخطاط يكتب على واجهة المحلّْ عبارات تشجيعية من قبيل: الحجي نديم أبو الفقرا.. هون مطعم الدراويش.. كولْ كتيرْ وادفعْ قليلْ.. تعال لعندي ولا تخاف.. وكانوا أصحاب الدخل المحدود، والعمال اللي بيشتغلوا في المعامل وورشات الخياطة والتطريز، يدوروا على وقت فراغ، ويجيبوا نسوانْهم وأولادهم على مطعم شَفَلَّح، وياكلوا ويشربوا ويدفعوا مبالغ زغيرة، ويطلعوا وهني مبسوطين، وكل واحد يحكي لرفاقه إنه في مطعم جديدْ في العبارة، كتير كويس، والخدمة تبعه ممتازة، والفاتورة زغيرة، فإذا رفقاتْهم سألوهم ليش هيك عم يساوي صاحب المطعم؟ كانوا يجاوبوهم: إنه هادا معروفْ في كل المنطقة إنه طشنة، والله رزقُه، لاكنْ بقي طشنة وحمار.. ما منعرف إذا في الأيام بيتملعنْ ويخنزرْ.. المهم هلق روحوا كُلُوا عنده ولا تخافوا.

اشتغل المطعم، وصاروا الزباينْ يجوا وما يلاقوا مطرح فاضي، ومع ذلك يبقوا واقفين، لبينما تفضى طاولة ويقعدوا.. وشَفَلَّحْ القاعد ورا طاولة المعلم ما يلحق قبض مصاري، وصار يحمد الله على اللقية اللي لقاها، ويترحم على روح المرحوم "الحاج محمد دَكُّو" صاحب الوصية، ويقول لحاله إنه هدف الحاج محمد دكُّو من كل هالعملية هوي إنه الناس تترحم عليه، وهاي أنا عم إترحم عليه، وهادا الشي بيكفي..

وفي يوم من الأيام كان نديم بارك ورا طاولة المعلم في المطعم وما شاف غير أجتْ لعنده سيدة لابسة بنطلون جينز، وقميص مشلَّحْ بلا أكمام، وحاطَّة على وجهها مكياج كتير حلو، وسلمت عليه ومدت له إيدها منشان يبوسها، وبما أنه هوي حيوان (متلما كان والده يوصفه) اعتقد أنها شَحَّادة، فمد إيده ع الدرج وناولها عشرْ ليراتْ، فضحكت ضحكة مشفترة وقالت له:
- ولي عليك شقدك متخلف يا شَفَلَّحْ. أنا ماني شحادة، بوس إيدي لأشوف.

فصار يتلفت، خاف ما حدا يشوفه، لكن هيي قدمت إيدها من فمه وقالت له:
- إشبك شفلوحة، اللي يبوس إيد ست صبية مو عيب، هادا أتيكيت يا معلم، يلا قوي قلبك وبوس لا تخاف.

فامتثل شفلح وباس إيدها مع إصدار صوت يسمونه في حلب صوت (المَجْق)، وقال لها: إش بتريدي خيتو؟ قالت له تعال معي. هون بقى بلشت الأمور تمشي في اتجاه آخر، وبلشت التحولات الدرامية اللي حكى عنها صديقنا أبو مرداس تاخد مجراها.

قال أبو محمد: يعني هاي المَرَا اللي أجتْ لعندُه كان بدها إنه يتزوجها؟

ضحك كمال وقال: له يا عمي أبو محمد، هدول الناس آخر هَمّْ عندهم هوي الزواج. هاي المَرَا سمعت بالشهرة اللي حققها مطعمْ الحجي شفلح، فأجت تعرض عليه شراكة تجارية. شَفَلَّحْ، بعدما باس إيدها، شد كرسي وقال لها تفضلي استريحي. ضحكت وقالت له: هون؟ قوم حط حدا يشتغل محلك وتعال معي.

قال أبو جهاد: لوين بده يروح معها!

قال كمال: طلع هوي وياها لبرات العبارة.. كان في سيارة حديثة واقفة، وإلها شوفير، طلعت السيدة ورا، وقالت له: تعالْ اطلع جنبي. فطلع، وقالت للسائق: خدنا ع "الفرسان".. راحوا عَ مطعمْ الفرسان، لقوا طاولة محجوزة مكتوب عليها: مدام مايا. قعدوا. أجا الكرسون: قال شو بيشرب الأستاذ؟ فقال شفلح: جبلي كباية جاي. الكرسون ابتسم، ومايا ضحكت وقالت له بصوت واطي: مفكر حالك قاعد بقهوة الملاخانة؟ هون ما في شاي. بدك ويسكي، شامبانيا، فودكا؟ قال: آ؟ بس أنا ما بشرب. قالت له: طيب. جِبْلُه عصير فريشْ.

قال أبو ماهر: المهم أستاذ كمال. وصلنا للزبدة إذا بتريد.

قال كمال: أنا عم بحكي لكم بعض التفاصيل منشان تفهموا طبيعة اللقاء بين الرجل الثري اللي من كام يوم كان أجيرْ مفلسْ، وسيدة أعمال يبدو أنها من عائلة أرستقراطية. المهم مايا عرضت على شفلح إنه يبيع المطعم اللي في العَبّارة، ويطلعوا هني التنين إلى الأتوستراد الدولي (حلب- دمشق) ويفتحوا محل فخم كتير، ما بيجي عليه أي زبون من الزباين الطفرانين اللي كانوا يجوا ع المطعم تبع عبارة الأوقاف. شفلح كان عم يسمع الحكي وهوي فاتح تمه وراخي أشياؤه..

سألته مايا: لما بتجي عائلة مألفة من خمس أشخاص وبياكلوا عندك في المطعم قديش بتطلع فاتورتهم؟ قال: بين مية وخمسين وميتين ليرة سورية. فقالت له بالحرف:
- في طبقة من الناس، لما بيدخلوا ع المطعم، بياكلوا نص كمية الأكل اللي بياكلوها زباينك، وبيدفعوا خمس أضعاف الفاتورة اللي بيدفعوها زباينك.. وواحدهم وهوي طالع من المطعم بيزت ميتين أو تلاتمية ليرة للجراسين!
مرة أخرى فتح شفلح فمه أرخى أشياءه وقال: آ؟

(للقصة بقية)