هروب الاستثمارات من تركيا

09 يونيو 2015
الصورة
لا أحد في تركيا يتمنى العودة لما قبل 2002(أرشيف/Getty)
سارع بعضهم ورسم سيناريوهات سوداء لمستقبل تركيا، سواء الاقتصادي أو السياسي، انطلاقاً من نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وعدم حصول العدالة والتنمية على أغلبية مطلقة تؤهله لتشكيل الحكومة منفرداً كما جرت العادة منذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2002.

وتحدث هؤلاء، بثقة منقطعة النظير، عن هروب جماعي للاستثمارات الأجنبية من تركيا، مستندين في ذلك إلى أمور عارضة ووقتية، منها الهبوط الحاد في البورصة التركية الذي جرى في اليوم التالي لإعلان النتائج، والضغوط الشديدة على سوق الصرف، وتراجع سعر الليرة لمستويات قياسية أمام الدولار.

وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حينما توقع عودة الاقتصاد التركي لمرحلة ما قبل عام 2002، عندما كانت البلاد على وشك الإفلاس، والموازنة خاوية، والفساد على أشده، والبطالة متفاقمة، وهناك ارتفاعات قياسية للأسعار وغيرها من الأمور التي رصدتها بالتفصيل في مقال أمس.

بالطبع بعضهم يرسم هذه السيناريوهات من مبدأ الود لتركيا التي تحتضن المضطهدين سياسياً، سواء من مصر أو سورية أو العراق، وبعض آخر ينطلق في توقعاته من مبدأ الشماتة في أردوغان لمهاجمته دوماً الانقلابات العسكرية والثورات المضادة والأنظمة القمعية في المنطقة.

وبغض النظر عن المبدأ الذي ينطلق منه كل طرف، فإننا أمام حقيقة تقول إن رأس المال جبان، هذه القاعدة تنطبق على تركيا ودول منطقة اليورو والصين وأميركا وغيرها من دول العالم سواء المتقدم أو النامي.

فالاستثمارات تهرب بسرعة في حال حدوث مخاطر أو بوادر قلق سياسي أو اقتصادي، وهو ما حدث في تركيا

خلال اليومين الماضيين، فقد أدت نتائج الانتخابات التشريعية إلى حدوث هروب سريع لأموال المضاربة المستثمرة في البورصة وسوق الصرف الأجنبي، أي العملات، وكذلك من أدوات الدين الحكومية وعلى رأسها أذون الخزانة، وهذه الأموال "رايحة جاية"، بمعنى أنه لو تشكلت حكومة ائتلافية غداً ستعود على الفور.

اقرأ أيضا: تركيا.. من الإفلاس إلى الانتعاش في عهد أردوغان


وفي حال عدم الاتفاق بين الفرقاء السياسيين الأتراك قد تتأجل عودة هذه الأموال أياماً وربما أسابيع لحين إعلان موعد الانتخابات المبكرة أو على الأقل الاستقرار على الخطوة المقبلة، وهذه الأموال الساخنة لا تفيد كثيراً الاقتصادات الوطنية لأنها تعتمد مبدأ المضاربة واقتناص الفرص الاستثمارية السريعة.

يبقى الحديث الأهم عن الاستثمارات المباشرة، وهي الأموال المستثمرة في قطاعات اقتصادية حقيقية وإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة والمصارف والعقارات وغيرها، فهذه الأموال ليس من السهولة أن تغادر الدولة إلا إذا حدثت حرب أهلية أو موجة عنف تهددها لا قدر الله، وأظن أن تركيا لن تصل لهذه المرحلة الخطرة، خاصة أن التجربة الديمقراطية فيها قوية، والأكراد تم دمجهم في الحياة السياسية.

والأهم من ذلك أن تركيا لن تصل لمرحلة من القمع والقتل شبيهة بما تقوم به الأنظمة الفاشية، فأردوغان لن يقدم على سبيل المثال على قتل أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد والفائز في الانتخابات الأخيرة بنسبة 12%، ولن يضع رئيس تركيا كل الموالين والمصوتين لحزب الشعب الجمهوري المعارض الفائز بأكثر من ربع أصوات الأتراك في السجون والمعتقلات أو يحيلهم لمحاكم عسكرية.

تركيا جذبت استثمارات تجاوزت قيمتها 150 مليار دولار طوال الـ 13 عاماً الماضية، واقنعت أصحاب 40 ألف شركة أجنبية بالعمل على أراضيها، وبالتالي ليس من السهل أن تغادر كل هذه المليارات البلاد بين ليلة وضحاها.

قد تحدث خلافات حادة بين الفرقاء السياسيين، لكن سيتفقون في النهاية على كيفية الخروج من هذا المشهد، لأنه لا أحد يتمنى العودة لما قبل عام 2002 كما قلت أمس.

اقرأ أيضاً: المواطن التركي.. هل أنكر الجميل؟