هرباً من الفاشية الشعبية

08 يوليو 2017
الصورة
+ الخط -
غطّيت صحافيا في مصر، في مطلع يناير/ كانون الثاني 2014، أحد أكثر الأحداث رعباً في حياتي، ليس في ساحة مظاهرة أو معركة، بل في منزلٍ عادي. أعني واقعة الأم التي أبلغت الشرطة عن انتماء ابنها إلى حركة 6 إبريل. كانت تفاصيل القصة أكثر رعباً، فالأم ذهبت إلى قسم الشرطة، إلا أن المأمور رفض عمل هذا المحضر، فلم تستسلم، ولجأت إلى الاتصال بشرطة النجدة. وفي هذه المرة، تم القبض على نجلها من المنزل، وأرشدت الأم إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به.
روى لي المحامي، فادي وجدي، أنه حين توجه إلى القسم، قابل والدته التي صرخت بوجهه طالبة منه المغادرة، وهي تقول "الولد ده لازم يتربى، وأنا هفضل ورا 6 أبريل، يا أنا يا همّا".
الرعب الخاص في هذه القصة ليس فقط بسبب أحداثها، بل أيضاً بسبب توقيتها. بعد عامٍ، كان يفترض أنه كافٍ لتهبط موجة الفاشية الشعبية، وكذلك لأن القصة تؤكّد ما ذهبتُ إليه سابقاً، من أن موجة 30 يونيو في مجملها العام، مع العلم بوجود جوانب أكثر تركيباً، كانت ثورةً شعبية مضادة كاسحة ضد كل ما تمثله "يناير"، وليس الإخوان المسلمين فقط، كما كان يعتقد زملاء وأصدقاء "ثوريون" أعزاء.
أذكر أني سمعت بنفسي وسط الحشود لوم الثورة وشبابها، لأنهم "جابولنا مرسي"، وشاهدت أيضاً كيف هاجمت الحشود من هتفوا "الداخلية بلطجية"، وأخرسوهم في لحظة. هناك عشرات الوقائع الأخرى، بعضها فردية، وبعضها جماعية، شاهدنا بعدها كيف هاجمت حشودٌ غاضبةُ منازل عائلات إخوانية لإحراقها، وشاهدنا كيف قاطع الأصدقاء والأقارب بعضهم بلا رجعة.
ومن قبل أن نصل إلى هذه النقطة، كنا قد شاهدنا آثار هذا التململ، شاهدنا كيف انتخب 49% من الناخبين أحمد شفيق، ممثل الثورة المضادة الرسمي، ضد محمد مرسي الذي كان يدعمه أغلب "رموز الثورة" وقتها، فجاء رد نصف الشعب، قبل كل شيء، بأنهم لا يرغبون، يكفي فقط أن تُعلم الملايين الخمسة الذين انتخبوا شفيق بأن بأيديهم أوراقاً أخرى أكثر من ورقة التصويت. وقبل ذلك، شاهدنا كيف تحولت مليونيات التحرير إلى "مئويات"، وأصبح الناس يصوّتون بأقدامهم رفضاً للأسف.
يمكن للمناضلين تحميل قمع السلطة، لكن القمع أو الرفض الشعبي أشد وطأةً بمراحل. كيف اندلعت الفاشية؟ الإجابة الأسهل والأكثر انتشاراً هي الإعلام، وهي إجابةٌ مع ما تحمله من جانبٍ حقيقيٍّ للغاية بالطبع، إلا أنها تظل قاصرة. الإعلام يُضخم بذوراً، لكنه لا يخلقها من عدم، يشوّه الواقع، لكنه لا يلغيه بشكل كامل، وإلا فما تفسير التراجع الملحوظ للفاشية الشعبية، وأيضاً لتأييد النظام الحاكم، إذا كان الإعلام وحده لا غير يملك هذه القدرات السحرية؟
جانب ثانٍ هو التركيز على الاختلاف والتشكيك عبر هؤلاء الإخوان الذين يغنون قائلين "لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما"، من هؤلاء وماذا يريدون؟ وهؤلاء الشباب الذين يرتدون أقنعة "فانديتا" الغريبة من يُنفق عليهم؟
جانب ثالث هو التركيز على تضخيم أخطاء حقيقية تماماً حدثت بالفعل، ويرتبط هذا بالجانب الرابع المهم للغاية، وهو إيجاد عدو وشيطنته والتخويف منه، لا فاشية من دون خوف من خطر داهم.
جانب خامس هو الظروف المحيطة من البداية، مثل الثقافة الشعبية وانحيازاتها، والتي تشكلت عبر عمليةٍ تاريخية وتدريجية، أو مثل الحالة الاقتصادية وتبعاتها.
إذا كنا اليوم نشهد تراجعاً هائلاً بهذه الموجة، فمن واجبنا عمل كل ما يمكن لعدم استعادتها، وذلك بالتركيز على عكس كل أسبابها.
وفي النهاية، هذا هو "الشعب" الذي من حقه أن "يريد". ليس كل ما يريده صحيحاً بالضرورة، ومثال فوز الحزب النازي، بزعامة هتلر، بانتخاباتٍ نزيهة أشهر من أن يُكرّر، لكن كل ما يريده من الواجب الاهتمام به ودراسته بكل جدية، من دون اللجوء إلى الاستسهال والإجابات الجاهزة. وبناء على الدراسة، تتم محاولة تغيير الخطاب والأداء، وربما تغيير أولويات الشرائح المستهدفة، أو ربما التهدئة مؤقتاً حتى تمر العاصفة. القوى السياسية بالتعريف تتنافس على اجتذاب الشعب، لا على استعدائه، كما أن من غير المعقول أن يُكرّر أحد هتاف "هنحرركم غصب عنكم".