هراء الفلكيين وسخرية السياسة

11 يناير 2020
الصورة
تروّيت لكي أرى اكتمال ظهور نجوم الفلك وعرّافي السياسة على شاشات التلفزة العربية وحساباتهم الإلكترونية التي يتابعها الآلاف، ليدلوا بشهاداتهم لما سيحصل في العام الذي بدأ للتو 2020. وإن كان البعض من هؤلاء يلقب بألقاب مثل "الرقم الصعب" و"الظاهرة" وغيرها من التي يطلقها عليهم مقدّمو البرامج التلفزيونية، لما يحملونه من تنبؤاتٍ تلتقي مع ما يهتم به المشاهد العربي من مصير البلاد السياسي ومصير لقمة العيش، إلا أن سذاجة الطرح والمعلومات المستهلكة التي يأتون بها كل عام تلقي بظلالها على مشهد كل عام جديد. وليس خفيّا أن علم الفلك موجود شأنه كباقي العلوم، بيد أن افتقار هؤلاء "النجوم" لأبسط درجات المهنية يجعل من عقل المشاهد العربي مقصدا لتطمينات وتحذيرات لا تتعدى انتهاء فقرة التهريج الفلكي في برامج سهرة رأس السنة الميلادية، أو أول يوم في العام الجديد. 
.. يذكر عبده القادري في كتابه "التنجيم السياسي في التراث العلمي العربي" أن البابليين كانوا، 
خلال القرن الخامس قبل الميلاد، يعتمدون في حياتهم على دائرة بروجٍ مكونة من 12 برجاً يمتد كل منها على 30 درجة، منطلقين بذلك من تصوّرات بلاد فارس وقواعدها حول النجوم. وإذا كان البابليون قد أعطوا هذه البروج أسماءً لها دلالات معينة في حضارتهم، إلا أن الفضل في ربط النجوم بأحداث كوكب الأرض يعود إلى الكلدانيين الذين اعتمدوا النجوم وحركاتها في تفسير ظواهر معينة، أو التنبؤ بأحداث مستقبلية أو كوارث طبيعية. ويمكن القول إن بطليموس وهالي، ومن بعدهما نيوتن، ساهموا في تعزيز سطوة علم التنجيم من خلال ربط ما يجري على الأرض بالنجوم والكواكب، خصوصا الشمس والقمر، فإن كان المد والجزر بسبب حركة الأرض، فلا بد من أن تكون حظوظ الناس ومستقبل البلد بيد النجوم أيضاً.
وإذا ما انتقلنا إلى وضع البلاد بعد تأسيسها بحق، فإنه لا يمكننا إغفال دور الاستخبارات والمستشارين ومراكز الأبحاث في دراسة السياسات في العالم، وبالتالي صناعتها وتقريرها. وعلى الرغم من توفر كل هذه المقومات في أي دولة، إلا أن يداً خفية لا تزال تتدخل لإحداث تغييرٍ على مستوى محلي أو إقليمي أو دولي، سواء أكان على مستوى زعزعة أفكار الشعوب أم زرع أفكار جديدة عن حاضرهم ومستقبلهم.
تخبر الوثائق أن اجتماعات الرئيس الأميركي الراحل، رونالد ريغان، لم تكن مرهونة فقط بجدول زمني مكتبي، بل بتنبؤات المنجّمين الذين كان لهم الأثر في يوميات البيت الأبيض (وربما إلى الآن)، فريغان، ومن ورائه زوجته نانسي، على إيمان بدور التنجيم في تسيير الشؤون الحياتية للرئاسة الأميركية آنذاك. ولم يستطع مسؤولو الاستخبارات الأميركية ثني زعيمهم عن استشارة العرّافين بأمور البلاد وشؤونها. ريغان الذي اعترف بأنه لا يذهب إلى اجتماع أو قمة من دون تعويذات أو تنبؤات هو ذاته الذي استشار المنجّمة المشهورة آنذاك، جوان كويغلي، في تحديد موعد لقاء الرئيس السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، من أجل توقيع اتفاقية الحد من الصواريخ النووية في 8 ديسمبر/ كانون الأول 1987. وكويغلي التي استطاعت رسم يوميات ريغان هي نفسها من تركت سان فرانسيسكو متنبئةً بزلزال مدمر سيضرب البلاد حينها (لم يحصل). ويذكر تاريخ الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران (1916 - 1996) أن المنجمة إليزابيث تيسييه كانت من كبار مستشاري الإليزيه، وميتران شخصياً. وتجلى ذلك في الاعتماد على نبوءاتها في اتخاذ قرارات فرنسا بعد حرب الخليج الثانية 1990،
وقد كوّنت إشارات هؤلاء العرّافين نقاطا ترتسم خلالها خيوط لعبة القرار السياسي أو العسكري بقراءة طالع الرئيس والوزير والسياسي ورجل الاقتصاد. ولا يقتصر هذا على مشورة بخطة سياسية، بل لربما تعدّاه إلى قرارات شن حرب على دولة أو الانسحاب منها؛ واغتيال شخصيات معينة مع تحديد زمان الضربة ومكانها اللذين يتناسبان مع طالع الرئيس أو العسكري.
واليوم، يجهد عرّابو التنجيم من كل حدب وصوب، للظهور علناً على شاشات التلفزة ليتنبأ وا
للشعوب بما تحمله سنيّهم وأعوامهم من مكاره ومسرّات، ففي ظل ما يعيشه المواطن العربي من أزمات، يجد في كفّ هؤلاء العرّافين بقعة ضوء يذهب إليها برهةً هرباً من واقعه، وإنْ كان على دراية تامة بأنهم كاذبون وإن صدقوا، وأن ما يحملونه في جعبتهم ما هو إلا تسريبات أو تكهّنات أو دجل محض. وعلى فرض أن جزءاً من هذه النبوءات كان قد تحقق فعلاً في أعوامٍ ماضية، كما يرد في تقديمات المنجّمين قبل الحلقة التلفزيونية، فإنه لا ريب صنيع قوة خفية تعمل على دسّ السم في العسل على يد هؤلاء العرّافين؛ فأنّى يكون لهم من علم.
وبالعودة إلى الوراء قليلاً، يرى من تابع أحداث العام الذي انقضى (2019) أن اغتيالاتٍ حدثت، جرائم قتل جماعي ارتكبت، نيرانا نشبت، وتوترا سياسيا وعسكريا حصل فعلاً. فالمنجّم (أو الفلكي كما يحب)، ميشال حايك، تنبأ باغتيالات في العراق، لكن لم يقل من، ومتى وأين وكيف. لنشهد خمس عمليات اغتيال طاولت ناشطين مدنيين في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وفتنة بين المسلمين والمسيحيين بعد فعل تخريبي حصلت في نيوزيلندا بعد أن أطلق الأسترالي برينتون تارانت النار في مسجدين. واللبنانية ليلى عبد اللطيف مثلاً تنبأت بتوتر ذي منشأ أميركي - إيراني في الخليج العربي، ونجم عنه نزاع كاد أن يتحوّل إلى حرب حقيقية، ولكن مايك فغالي لم يفلح عندما أنبأ الشعب السوري بأن قيمة العملة في ارتفاع، ليثير الجدل في توقعاته.
وإذا كانت هذه الظاهرة قديمة، لربما انتشرت على أنها مجرّد قراءة في كفّ أو فنجان أو قراءة الأبراج في الإذاعات أو البرامج التلفزيونية الصباحية، إلا أنها أخذت منحىً خطيرا في الآونة الأخيرة، خصوصا بعد عام 2011 الذي شكّل نقطة تحوّل في طموحات الشارع العربي وآماله. ومن وجهة نظر إعلامية، ما تقدّمه وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، من مواد "تنجيمية وفلكية"، يمكن قراءته على مساقين: تجاري اقتصادي، لجذب المتابعين ورفع رصيد المشاهدات، وبالتالي تصبح هذه القنوات قاعدة إعلانية ضخمة، خصوصا في مواسم التوقعات وأوقات قراءة الأبراج والطالع. وسياسي بحت، يقع ضمن إطار رغبة
 القنوات الإعلامية في تعزيز سردية الحكومات من خلال ذرّ الرماد في العيون، وإلهائهم عما يجري في أروقة الحكم، فالقنوات اللبنانية مثلاً كان شغلها الشاغل استضافة من يتكهّن بمستقبل أفضل عن رئيس البلاد والوضع الحالي الذي لا ينبئ بانفراج أبداً، ولا حتى في كلمات المبشّرين. وفي مصر والعراق وسورية واليمن وغيرها من الدول العربية التي وجدت نفسها في مأزق بعد 2011 يتكرّر مشهد العرّافة. من أزمات وضيق حال، تشاؤم ونقص في الأموال، تضخم وانفجارات وتوتر واغتيالات؛ كانت كلها مانشيتات عريضة في أوراق العرّافين في مطلع 2020.
ومع هذا، اجتاحت موجة من السخرية مواقع التواصل الاجتماعي، ومنصات التفاعل الإلكتروني التي أصبحت بالضرورة مجتمعاً آخر، لتطاول شخوص الفلكيين والمنجّمين. واشتعلت صفحات التهكم بصور هؤلاء مع كتاباتٍ وإضافاتٍ جعلت منهم مادة دسمة للنقد، في ظل ما يحدث من تناقضات بين ما يقولون وواقع الحال، فتحديد أسعار صرف العملات في سورية ولبنان مثلاً ليس أمرا سهلا ليتركه أرباب الاقتصاد لعبةً بيد عرّاف كان قد حلّق بمخيلة المشاهدين إلى الأيام الخوالي. وزلزال سيضرب مدينة لن ينتظر شقراء تطل أمام الكاميرا لتحدّد موعد ولادته. واغتيال شخصيات عسكرية ورفيعة على مستوى العالم أمر يحدّده تطور الصدامات العسكرية وتصفية الحسابات وحروب الوكالة، لا عرّاف يقول ما هو ظاهر وجليّ لمن يتتبع سير العمليات العسكرية، وانتقال القادة والمؤثرين وصعود نجمهم أو أفوله.
تعليق: