هذه هي مأساة زوجات مفقودي الحرب في ليبيا

08 أكتوبر 2019
الصورة
النساء هنّ الفئة الأكثر تضرّراً (محمود تركية/ فرانس برس)

في عام 2016، أصدرت الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين في ليبيا أوّل تقرير رسمي لها يفيد بتجاوز مفقودي الحروب الخمسة آلاف، علماً أنّ ذلك الرقم يبقى تقديرياً كما غيره من الأرقام، في ظلّ عدم توفّر إحصاءات دقيقة. واليوم، من المرجّح أن يكون العدد قد ارتفع مع استمرار النزاعات في البلاد، فيما تُعَدّ زوجات المفقودين الفئة الأكثر تضرّراً في السياق إذ إنّهنّ يواجهنَ ظروفاً مأساوية فيشكّلنَ بالتالي إحدى الأزمات.

أمّ مها امرأة ليبية لها ولدان، اعتقل زوجها في أوّل أيام الثورة التي أطاحت الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي في عام 2011، واختفت أخباره منذ ذلك الحين. تخبر "العربي الجديد" أنّه "توجّب عليّ الابتعاد عن المجتمع لأحمي نفسي من ألسنة الناس، كذلك أردت الابتعاد عن الوصايات المتعددة، فأشقاء زوجي وأبوهم وكذلك أشقائي وأبي وحتى جيران زوجي، كلّهم عدّوا أنفسهم أوصياء على أسرتنا". تضيف أنّه "بعد مرور ستّة أعوام على غيابه، أُجبرت على الزواج من أحد أشقّاء زوجي، فأهله لا يرغبون في أن ينشأ أحفادهم بعيداً عنهم، بحسب الأعراف الاجتماعية في البلاد". هكذا، تمّ تطليق المرأة من زوجها المختفي استناداً إلى قرار من المحكمة وفق أحكام شرعية تتعلق بطلاق الغائب.

في السياق، يعلّق عضو نقابة المحامين الليبيين عز الدين الدكالي قائلاً لـ"العربي الجديد"، إنّ "حكم المفقود ليس متوفّراً في مواد القانون الليبي. لكن، على الرغم من الجدال حول هذا الموضوع والآثار القانونية المترتّبة على الحكم القضائي، خصوصاً أنّ طلاق الغائب يُبنى على ثبوت وفاة الزوج، الأمر غير المتوفّر في الحكم المشار إليه بشكل قطعي، فإنّ حالة أمّ مها تبقى أفضل من حالات آلاف من الزوجات الليبيات اللواتي ما زلنَ يعشنَ على أمل عودة أزواجهنّ". يضيف الدكالي أنّ "إدارة المفقودين في وزارة رعاية أسر الشهداء والمفقودين في ليبيا لا تمتلك قاعدة بيانات حول المتزوّجين من بين المفقودين"، مؤكداً أنّ "الانقسام السياسي وكذلك الإداري في البلاد زادا من حجم الأزمة". ويلفت إلى أنّ "إدارة المفقودين تمتلك مختبرات لتحليل الحمض النووي لرفات المدفونين في مقابر جماعيّة عُثر عليها في أكثر من منطقة، غير أنّها لم تستحصل على أذون للكشف على العدد الأكبر من تلك المقابر بسبب خلافات سياسية ومناطقية وقبلية تحدّ من نشاط الإدارة". ويشدّد على أنّ "تحليل الحمض النووي أمر ضروري يرتبط به تحديد مصائر أسر كثيرة وكذلك زوجات كثيرات يتأرجحنَ بين ألم الفقد وأمل العودة".




من جهتها، فقدت منيرة أثر زوجها في الحرب في بنغازي، وتقول لـ"العربي الجديد": "أنا متيقّنة بأنّه قُتل وأخفي أثره كما هي حال عشرات غيره. لكنّ الأمل يراودني أحياناً بأنّه ما زال حيّاً يُرزق، فيما لا يكفّ أولادي الأربعة عن السؤال عن أبيهم". وتشير منيرة إلى "مشكلات سنوية وحتى شهرية تتعلّق بإجراءات خاصة بمدارس الأولاد. فالمحكمة رفضت تطليقي من زوجي الذي أتيقّن موته، والقاضي أصرّ على أنّه لا موت من دون جثّة وأنّ تصديق قرار الطلاق من المحكمة لا يكون إلا بحضور الزوج والتصريح بالتطليق علناً". تضيف منيرة: "أنا أرملة رجل حيّ بحكم القانون".

وتوفّر منيرة مصاريف أولادها من مساعدات أسرية ومنح مالية تسدّدها وزارة رعاية أسر الشهداء والمفقودين مرّات قليلة في خلال العام، لافتة إلى أنّ "في مرّة حاولت استعطاف القاضي وقلت له إنّ لدّي مصاريف تعليم أربعة أطفال وتأمين ملابس وطعام لهم، بالتالي لا بدّ من الحكم بالأمر الواقع حتى أتمكّن من نقل راتبه الوظيفي إلى أبنائه. يومها، عطف عليّ وأخرج بعض الدنانير من جيبه وأعطاني إيّاها، شارحاً لي أنّ أحكام التطليق في غيبة الزوج لا ينصّ عليها القانون إنّما هي استثناء تعمل به محاكم طرابلس وفق فتوى شرعيّة لعالم دين تعدّه سلطات شرقي البلاد إرهابياً وداعماً للمليشيات". وتؤكّد منيرة أنّ "مأساتي سوف تستمر، فأنا سوف أبقى عاجزة عن مواجهة صعوبات الحياة بسبب زوج موجود على الورق فقط".




في سياق متصل، يوضح الدكالي أنّ "مفهوم المفقود مستجدّ ولم يطوّر القانون الليبي حكماً واضحاً فيه، بالتالي تبعات الأمر القانونية سوف تستمرّ لجهة من يحدّد الوصيّ على الأسرة ولجهة كلّ ما يتعلق بزوجة المفقود وحقّها في الطلاق والزواج من غيره". يضيف أنّ ثمّة "مشكلات قانونية سوف تترتّب على تطليق زوجة المفقود بحكم الغيبة، لا سيّما في حال رجع الزوج وتبيّن أنّه كان أسيراً على سبيل المثال". ويشير الدكالي إلى "ثمّة فارق قانوني وكذلك شرعي ما بين المفقود والغائب، بالتالي فإنّ قضيّة زوجات المفقودين سوف تبقى مأزومة مع ما يرافقها من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية".

دلالات