هذه هي السعادة تقريباً

24 أكتوبر 2019
الصورة
غابرييل شافيز كازاثولا، أمام معبد بوسيدون في اليونان، 2019
+ الخط -

نقطة

تلك النقطةُ
حين تتوقفُ عن التأمّل في حياتك وما وراءها،
في حبِّ حياتك،
في شمال حياتك (وجنوبها)،
لأنك اكتشفتَ بالفعل كلّ هذه الأشياء
أو هي التي اكتشفَتْك،
تلك الأشياء الأليفة التي تمنَحُها الأسماءَ على هَوَاك،
أيّ اسم كان،
اسم علمٍ
أو أيّ اسم غامض. الشِّعر مثلاً.
ولكن الأعجوبةَ الحقيقيَّةَ
أنّ رحلة بحثك هذه لن تنتهي
لأن كلّ الأشياء وكل المخلوقات الموجودة
تتلاشى ببساطة كما أتَتْ.
وأحياناً حتى ذلك المجهول الأليف
الذي تُسمّيهِ الشِّعر.


■ ■ ■


سعادة

لم تكن السعادةُ يوماً
سوى مجرّد فورة مشاعر:
نشوةٌ
أشبه بسرعة سيارة مكشوفة
أو الإحساس داخل سيارة مكشوفة سريعة
أو ذلك الإحساس المدهش للاستماع لفرقة شيكاغو بصوت عال في سيارة مكشوفة
تسير في طريقٍ تمتدّ الحقول الخضراء والذهبية على جانبيه.
نعم، الأهم هو الاستماع إلى فرقة شيكاغو - أو موسيقى باخيلبيل أو إلى الأوبرا -
حيث يغمرنا شعورُ أننا نمشي
في الطريق الطويل والخالي
الطريق الطويل والخالي تماماً
وأننا تلك السيارة السماويّة والذهبية المكشوفة
التي لن نحصل عليها في حياتنا.
هذه هي السعادة تقريباً.


■ ■ ■


عينٌ سحريّة

نَحَتَ الصبيُّ سِرّاً من طينِ الحفرةِ،
خمسةَ طيور.
مَسحَ بكفِّهِ شَعرَهُ المتهدّل على جبينهِ،
تَنَفَّسَ الصّعداء
ثم طيّرها بلطفٍ
فانطلقتْ في السماء.


■ ■ ■


"كويو آبي" يزرع بذرة عباد الشمس

"كويو آبي" بسترته السوداء القاتمة،
طويل القامة وحليق الرأس
بحاجبين مستقيمين
يزرع بذور عباد الشمس في حدائق معبد جونجي.
يدُسُّ بتؤدة بذرةً صغيرةً تُنذِرُ
باحتمالات الضوء
والدّهشة المستقبليّة،
في حفرة صغيرة في الأرض.
يغطّيها بمجرفةٍ صغيرةٍ
ويسقيها بمِرَشَّة المياه البرتقالية.
يداعبُ النسيمُ حدائقَ معبد جونجي
يشعرُ به "كويو آبي" على يديه الرّطْبَتَيْن.
يحملُ في كيسٍ من القماش معلّقٍ على فخذه
عشرات أو مئات البذور.
مهمَّتُه الصباحية
أن يزرعَ كلّ بذرةٍ
ويُغطّيها
ويَسقِيها
بمِرَشّة المياه البرتقالية.
قريباً، ستغطي حدائق جونجي والأراضي المجاورة لها
سجادةٌ من مليون زهرة عبّاد الشمس.
ستترطّب أيدي الرهبان والفلاحين
بالماء الذي يسقي المستقبل الأصفر الزاهي للأطفال،
هذه الأيدي أضواء حنونة على العيونِ المُنهَكَة.
"كويو آبي" لا يعرف فان كوخ،
ولكنه مع ذلك يرسم زهور عبّاد الشمس بمِجرَفَتِه.
"كويو آبي"
الذي تنظرُ عيناه إلى الأفق الرمادي البعيد الذي تَحتلّهُ الصوامعُ النّووية.
تتعالى حدائقُ معبد جونجي عند حافة مُفاعل فوكوشيما،
لأنه لا بدّ من زراعة عبّاد الشمس
لتَنْقِيَةِ السماء،
وتَنْقِيَةِ المياه
والأرض والشمس.
لا يتعلّق الأمر بالجَمال
كما يخبرني "كويو آبي" من صورته الصامتة:
بل تمتَص الجذور كل تلك المعادن الثقيلة
ومن هذه السموم، تولدُ تلك الزهرة.
يَخرُجُ "كويو آبي" من الصورة الصّامتة مقتبساً المثل الهولندي:
"صحيحٌ أن الجَمال ينقّي نفسَهُ بنفسِه"
ويعطيني كيساً من البذور المليئة بالضوء.
أما فان كوخ، فيُناوِلُني مِرَشّةَ المياه البرتقاليّة.


■ ■ ■


الخطأ

أستمعُ إلى دوران الأرض في "متحف ريبلي"
لا في النجوم الصامتة.
ولا في الموسيقى الكونيّة.
صوتٌ هادرٌ،
مثل آلاف الأصوات التي تتناهَبُها الرّيح
بسرعة هائلة.
ذلك الصوتُ الحقيقيّ للعالم، وأنينُهُ السيمفوني.
ليسَ همسةَ كوكبِ المُشتري
ولا صفّارة المرّيخ،
بل حناجِرُنا،
هي التي تخترقُ الكون
بالأنغام المتعددة للوحدة،
تتحدّث هنا وهناك
عن خطأ الإله اللذيذ
عندما كوّنَنَا.


■ ■ ■


إيروس وثاناتوس*

قليلةٌ هي اليقينيّات التامّة في حياتنا،
الحبّ، وأشياء هذا العالم،
هل سأذهب يوماً إلى بيتكِ،
بيتك الذي تجلسين فيه اليوم هناك
في آخر الغرفة،
مرتديةً ثوبكِ السندياني الشهيّ.
لن نهتم عندها بالكثير من الأشياء،
بحبّنا، أو بأنفسنا،
أو بالعديد من اليقينيات الناقصة في هذا العالمِ الميّاسِ والفاني.
الميّاس مثلُ فروع الأشجار التي تتدلّى منها الثمار
والفاني مثلُ الفواكه التي قَطَفناها منها
لنُلقِمَ أفواهَنا الشّرِهَة.

(إيروس: قوّة الحياة والحب، وثاناتوس: قوّة الموت والدمار/ المترجم)


■ ■ ■


قَدَمُ يورديس

تخيَّل معي قَدَماً أشبهَ بالفاكهة
خصبةً
وناعمةً
ولذيذة.
عاشت يورديس في أرض النور
قبل أن يلتهمَها العالمُ السفليّ
ويَذوبُ ظلّها في الظلّ
عندما تجرأ أورفيوس على النظر إليها.
والآن تخيّل معي قدم يورديس الأخرى.
أشبه بحبّة رمّان
لا تغتسل بالشمس بل في مياه نهر آخيرون.
يعضّ الثعبان هذه القدم،
فتمشي وتجرّها خلفها.
تأمّل هذا القدم الميّتة.
يورديس هي الشِّعْرُ، ربما
مشدودةٌ كالقوس
فوق النور والظلام في قلب أورفيوس.
(يحدث ذلك باختصار
عندما يتجرأ الشاعر على النظر في عينيها
ليرى نفسه،
وعندما يحدّقُ فيها
تختفي).
الكثير من الأشياء في العالم تُشبهُ يورديس:
نحن،
بين المعرفة والرغبة،
بين الذاكرة والنسيان،
بين الداخل والخارج
أو كل ما هو كائن
هناك بين ذكريات غامضة
من الوجود واللاوجود.


* Gabriel Chavez Casazola شاعر من مواليد بوليفيا عام 1972، يعد واحداً من أبرز الأصوات الشعرية في الشعر البوليفي المعاصر. حظي شعره بإعجاب نقاد بارزين في أميركا اللاتينية ونشرت كتبه في 12 بلداً. من مجموعاته الشعرية "ماء من النور" (2010)، "الصباح مليء بالبستانيين" (2013)، "مضاعفات الشمس" (2017)، "وشوم لا تمحى" (2018) ومن المجموعة الأخيرة اخترنا القصائد المترجمة هنا.

** ترجمة عماد الأحمد

المساهمون