هذه هي أسواق الهواتف الخلويّة المستعملة في الجزائر

24 اغسطس 2019
الصورة
صورة التقطت بصعوبة (فاروق بن شريف)
+ الخط -

تؤشّر أسواق الهواتف الخلويّة المستعملة في الجزائر إلى عبقرية الجيل الجديد في تدبّر أموره الماليّة، في ظلّ عجز السياسات الحكومية عن خلق واقع اقتصادي يمكّنه من ذلك.

عرف الجزائريون الهاتف النقّال أو الخلويّ في عام 1994، لكن ظلّ انتشاره محدوداً ونخبوياً، ولم يتجاوز عدد المشتركين 18 ألفاً حتى بداية القرن الجاري. حينها بدأ الاستعمال يأخذ بعده الشعبي، من خلال فتح الاستثمار الحكومي والخاص في هذا المجال حتّى صار عدد المشتركين أكبر من عدد سكان البلاد. ففي مقابل 43 مليون نسمة هو إجماليّ عدد سكان الجزائر، ثمّة 49 مليون مشترك في شبكة الاتصالات اللاسلكية، بحسب أرقام سلطة الضبط للبريد والمواصلات التي تتولّى عمليّة مراقبة القطاع وتسييره.




ولأنّ التغيير في بنى الاتصال يُحدث تغييراً في السلوك والتفكير واللغة والأفعال وردود الأفعال والمزاج العام، يمكننا أن نرصد الفروق في هذه الأبواب ما بين زمن الهاتف الثابت وزمن الهاتف الخلويّ في الجزائر، بما يتيح لنا أن نرصد كذلك البنى التي اختفت وتلك التي طرأت على النسيج الاجتماعي.

وفي مقدّمة ما استجدّ في الشارع الجزائري، بفعل انتشار الهاتف الخلويّ، الأسواق الشبابية غير المرخّص لها بيع الهواتف المستعملة واستبدالها، فلم يعد أيّ تجمّع سكني يخلو منها. وإذا كان المتعارف عليه أنّ الأسواق الشعبية تنظّم أسبوعياً في الجزائر، سوق السيارات مثالاً، فإنّ أسواق الهواتف الخلوية يوميّة، من دون استثناء عطلة نهاية الأسبوع، أي يومَي الجمعة والسبت. فهي تنتعش أكثر في خلال هذَين اليومَين، لأنّ الأشخاص الذين يعملون في بقيّة أيام الأسبوع يقصدونها في خلالهما.

عشرات من الشباب العاطلين من العمل أو الذين يعملون من ضمن الشبكة الاجتماعية التي توفّر رواتب محدودة جداً، إلى جانب طلاب في خلال العطل الدراسية، يلتقون في أوقات محدّدة قد تكون صباحاً أو مساءً، بحسب الأحوال المناخية في المنطقة. فثمّة فارق ما بين الشمال البارد والجنوب الحار في مواقيت خروج الناس إلى الفضاءات العامة. وفي تلك الأسواق، يبيع هؤلاء الهواتف الخلويّة المستعملة وقطع غيارها والأكسسوارات الخاصة بها.

ويجري ذلك في بقع معزولة من المدينة، أمّا السبب بحسب ما يقول الشاب زهر الدين لـ"العربي الجديد" فهو "عدم عرقلة حركة السير ومصالح السكان، وإلا فإنّ الشرطة سوف تتعاطى معها بصرامة كبيرة، إذ إنّها أسواق غير قانونيّة". يضيف زهر الدين الذي التحق بسوق في مدينة برج بوعريريج، شرقيّ الجزائر العاصمة، في عام 2016، أنّ "الشرطة تعلم جيداً بوجود تلك الأسواق لكنّها تغضّ الطرف عنها، في إطار سياسة الحكومة القاضية بالتساهل مع الأسواق الفوضوية التي تساهم في امتصاص البطالة في أوساط الشباب". ثمّ يتدارك: "هي لا تداهمنا إلا في حالات خاصة، عند اكتشاف صفقة مشبوهة، أو عند العلم بأنّ ثمّة من يلجأ إلى تلك الأسواق كغطاء للاتجار بالممنوعات، من قبيل المخدّرات بأنواعها". ويؤكد زهر الدين: "لذا نحن نتولّى بأنفسنا تنقية السوق من هؤلاء حتى نحمي لقمتنا، إذ إنّنا بمعظمنا لا نملك مصدراً آخر للدخل".



وحرص شباب السوق على بقائه "نظيفاً"، بما يضمن غفلة الشرطة عنه، يؤدّي إلى توجّسهم من كلّ صحافي يحاول اختراق المكان لينقل تفاصيله إلى الرأي العام، وهو ما جعلنا نفشل في التقاط صور على مدى أسبوع كامل. وفي السياق، صاح أحد الشباب فينا: "ماذا تريدون أن تعرفوا عن سوقنا؟ قولوا للحكومة إنّ من يشتغل هنا إنّما يفعل ذلك ليوفّر ملبسه أو مأكله أو الدواء لأحد أفراد أسرته، في ظلّ عجزه عن إيجاد وظيفة ثابتة. أنا مثلاً، مطالب بشراء الحليب والحفاضات لابنتي، وقد أعود بعد وقوفي لساعات هنا من دون بيع هاتف واحد، نظراً إلى كثرة المنافسين وقلّة المشترين بسبب التقشّف في البلاد منذ ثلاثة أعوام". وكلام الشاب هذا لفت نظرنا أكثر إلى الباعة المنخرطين في السوق. بعضهم دائم، يشتري ثمّ يعيد البيع في ما يسمّى عملية "تدوير" في قاموس هؤلاء، وبعض آخر يقصد السوق في مرّة واحدة ليبيع هاتفه ثمّ ينسحب بعد ذلك مباشرة.

فيصل من هؤلاء الشباب، يتحدث لـ"العربي الجديد" عن مزاج البيع والشراء في السوق، مؤكداً "أعلم مسبقاً أنّ من يبيع نقّاله، علماً أنّ الثقافة السائدة في الجزائر تجعل بيع الأغراض الشخصية عيباً، إنّما يفعل ذلك مضطراً. لذا ألجأ إلى إبراز عيوب الهاتف وإلى إخفاء رغبتي في شرائه، حتّى أكون مرتاحاً في تحديد الثمن الذي يتيح لي الربح من ورائه. وهذه البرودة تجعل كثيرين يسردون لي أسباب إقدامهم على البيع لاستدراج شفقتي". يضيف فيصل: "من خلال تجربتي، فإنّ السبب الذي يدفع الشاب الجزائري إلى بيع هاتف نقال في العادة لا يتعلّق بالحاجة إلى العيش، بل بالحاجة إلى الترفيه"، شارحاً أنّ "ثمّة شبابا يبيعون هواتفهم أكثر من مرّة في الشهر الواحد حتى يشاركوا في رحلة أو سهرة مع الأصدقاء. وهذا النوع من الشباب يرى في عجزه عن المشاركة في لمّات الأصدقاء إخلالاً برجولته، فيُقدِم على بيع هاتفه الذي يكون ثميناً في الغالب، لأنّ روح التظاهر والتفاخر لديه تجعله لا يملك هاتفاً بسيطاً، ولا يهمّه إذا كان الثمن المقدّم له زهيداً. ما يهمّه هو عيش اللحظة".

في محاولتنا أن نعرف إذا كانت هذه الأسواق تستقبل هواتف مسروقة، تبيّن لنا أنّ الأمر صعب. لكنّ الحاج عبد الرحمن (63 عاماً) وهو واحد من الباعة المسنّين القلائل في ذلك سوق، لم ينفِ الأمر، من منطلق أنّ "حاجة الشباب الملحّة إلى المال هي التي أوجدت هذا السوق في الأساس. ولا شكّ في أنّ الحاجة الملحّة تدفع كذلك إلى السرقة". ويتدارك قائلاً: "بات دخول الهواتف المسروقة قليلاً في الآونة الأخيرة، بسبب انتشار ثقافة توثيق عمليات الشراء الأصلية واعتماد الشرطة على الرقم التسلسلي للهاتف المسروق لاسترجاعه".

 



في جوار السوق نفسه، حديقة ساحة القلعة، قصدناها وسألنا مجموعة من الشابات عن خلفيّة غياب العنصر النسائي في أسواق الهواتف الخلويّة المستعملة بيعاً وشراءً. فتقول صليحة وهي أستاذة جامعية في علوم الإعلام والاتصال، إنّ "للشابة الجزائرية عادة سلوكاً مختلفاً في ما يخصّ المال بالمقارنة مع الشاب. فهي لا تبيع هاتفها لتسدّ به حاجة، بل تبيع قطعة من ذهبها لذلك. الشاب يعتمد على هاتفه في حالة الطوارئ فيما تعتمد الشابة على ذهبها. وهو ما يُسمّى في الثقافة الشعبية وساد الرأس".

دلالات