هذه الوعود الدولية بالمساعدات في العراق

25 يوليو 2020
الصورة

تشكلت حكومة مصطفى الكاظمي في العراق بصعوبة، بسبب ارتباك المشهد السياسي لحكومة المنطقة الخضراء الذي نتج عن ثورة تشرين، حيث أسقط ثوار العراق حكومة عادل عبد المهدي، فيما لم يتمكن المكلف بعده محمد علاوي من تشكيل حكومته، على الرغم من كل المحاولات التي بذلت لتسويقه. وقد عوّدنا المشهد السياسي العراقي أن كل حكومة تتشكل ترافقها حملة تجميلية واسعة، لتسويقها للشعب العراقي، مرة بموضوع مكافحة الفساد، والقيام بالإصلاحات الضرورية، كما في حكومة حيدر العبادي، وأخرى بموضوع الحكومة الإلكترونية الحديثة مع حكومة عادل عبد المهدي الذي صوّره الإعلام بقمة الكفاءة، والتمكّن في المجال الاقتصادي، والاعتماد على طاقات الشباب، وتحديث الدولة العراقية وإداراتها، كما في الدول المتقدمة. ورافقت هذه الحملات أيضا جملة من الوعود، منها المساعدات الأوروبية والأميركية، ومنها الانفتاح على المحيط العربي، وخصوصاً السعودية ومجلس التعاون الخليجي، وروّجت القنوات التلفزيونية مشاريع ضخمة، واستثمارات واسعة تعتزم هذه الدول القيام بها في العراق. وأكثر ما تم ترويجه في حكومة عبد المهدي بناء السعودية ملعباً بملياري دولار. وعدنا نسمع الوعود نفسها مع حكومة الكاظمي، حيث تعهدت فرنسا باستثمار ملياري يورو لإعادة بناء مدينة الموصل التي دمّرها جيشها، لتدخل إليها المليشيات الولائية، وتستولي على كل ما فيها، وتفرض سطوتها وخاواتها وابتزازها للمواطنين، كما قبل إدخال مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بل أكثر. وتعهدت الولايات المتحدة بتركيز الاهتمام مستقبلاً على الجانب الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، وحاجات العراق في هذه المجالات، ودعمت ربط العراق بالمنظومة الكهربائية مع دول الخليج، لتوفير الكهرباء المفقودة في العراق عمداً منذ 17 عاماً. وكذلك هي السعودية التي سيزورها مصطفى الكاظمي، والتي لم تتخل يوماً عن دعم حكومات الاحتلال منذ البداية، على الرغم من اللاءات الإيرانية لأي دور لها، وأي تبادل تجاري تعتبره مجالها الحيوي وجيبها لحلب العراق واقتصاده.

الدول التي تعد بالمساعدات تقف بالضد من ساحات التحرير ومن مطالب الشعب العراقي بالحرية واستعادة العراق

بدأت فترة رئاسة حيدر العبادي الحكومة وانتهت، ولم ير الشعب العراقي إصلاحاً يذكر، ولا فساداً تمت محاربته، أو على الأقل الحد منه، بل كانت السنوات التي قضاها استكمالاً لنهج الحرب، وإبادة الشعب العراقي (وإخضاعه) مع حكومة نوري المالكي. واستكملت بإدخال "داعش" الموصل، لتدميرها والسيطرة عليها وتهجير الملايين من سكّانها في فترة تلك الحكومة. كما تم تأسيس الحشد الشعبي الذي أفتى به المرجع آية الله السيستاني، ليستخدمه رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، المغتال قاسم سليماني، نواة لمليشيات تتبع، بشكل أكثر تنظيماً، الحرس الإيراني، تمهيداً لإخضاع العراق بالكامل لإيران. وقد كان هذا الأمر المتعلق بالمليشيات من أهم ما حاول عبد المهدي الاهتمام به، حال تسلمه الحكومة، على عكس وعوده التي بشرت بتصدّيه للفساد وملفاته الواحد والأربعين، ملف يشمل كل الوزارات، والتي ربما أضاعها في الأيام التالية في حدائق المنطقة الخضراء، ليتفرّغ لما "يهم" الشعب العراقي، وهي المليشيات الولائية التي أولاها اهتماماً أكبر من الشعب والجيش العراقي، وهو لم يكمل حتى تشكيل حكومته! بل لم ير الشعب العراقي أياً من وعود المساعدات الكثيرة الدولية والعربية تتحقق، ولا حتى جزءاً يسير منها. وطوى عادل عبد المهدي هذه "المساعدات" والاستثمارات، طاعة للولي الفقيه، وتوجه إلى الصين، استئناساً برأي الأخير لتوقيع تفاهماتٍ، كان سلفه، وبتوجيه من المصدر نفسه، قد حاول عقدها، وبقيت نائمة في الجرارات، لم تر النور، على الرغم من كل الأزمات. وقد تأكد للشعب العراقي أن الخزينة العراقية هي للفاسدين أولاً قبل العراقيين، كما أن اقتصاد العراق وتجارته غير مسموح التلاعب بهما ومسهما، لأنها خطوط إيرانية حمراء. وقد ثبت بالوقائع أن هذه الوعود الإعلامية وحملات العلاقات العامة الكلامية ليست إلا محاولات لإنقاذ أصحاب العملية السياسية وتسويقهم. أما إعادة الولايات المتحدة صياغة وجودها في العراق، بحجة تقديم المساعدة في المجال الاقتصادي والتكنولوجي، وزيارة وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، العراق، فإنما لمحاولة إنقاذ العملية السياسية المهترئة، وليس فقط دعم رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي.

دول الاحتلال لن تتمكن، مهما فعلت، من إنقاذ العملية السياسية التي أخدت كل مداياتها في الكذب والخداع والتزييف والفساد

ليس العراق بلدا فقيراً، لكي تُقدّم له المساعدات، بل له ميزانيات ضخمة منهوبة من الفاسدين، وثرواته، من دول الاحتلال كلها التي تهرول بإعلان المساعدات والاستثمارات، وهي تنهش العراق منذ 17 عاما، ولن تبني العراق فيما هي معاول تدميره والانقضاض عليه، دولة وشعباً. وكل همها إنقاذ واجهتها السياسية وعمليتها الفاسدة الموكلة للأحزاب التي جاءت معها، والمليشيات الولائية التي تكره العراق مستقلاً، بعيداً عن استعباد إيران. لم تعد العملية السياسية، وبرلمانها المنتخب بأقل من 20%، وهتف "نعم نعم سليماني" متآكلة فقط، بل حتى وعود دول الاحتلال نفسها التي لن تتمكن إطلاقاً، مهما فعلت، من إنقاذ العملية السياسية التي أخدت كل مداياتها في الكذب والخداع والتزييف والفساد، وخصوصاً في تدمير العراق وتفتيت نسيج شعبه، وتسليمه إلى الأجنبي، وتهجير أهله بالملايين، ووضع الآلاف منهم في السجون وتغييب آلاف واختطاف الشباب وقتلهم في ساحات التحرير. كانت كل هذه الأساليب مجدية نوعاً ما قبل ثورة تشرين، لكنها فقدت كل تأثير يذكر، ولم تعد قادرة على الإقناع.

الدول التي تعد بالمساعدات تقف بالضد من ساحات التحرير ومن مطالب الشعب العراقي بالحرية واستعادة العراق لأنها تريد إنقاذ الفساد والنهب والتدمير، وربما من الأفضل لها أن تقف على الحياد، لتكفي العراقيين شرورها، فشباب هذا البلد متأهب ومستنفر، وله مطالب وجودية، تجذّرت في وجدان كل عراقي من عمق الآلام التي كابدها منذ 17 عاماً، ولن يكون سهلاً منازلته لاستكمال الثورة، وهو بهذا التصميم وبهذه القناعة في الانتصار، وقلع ليس فقط كل من جاء به المحتل، بل العملية السياسية برمتها.